2 -المبحث الثانى
أسباب الخلاف في فقه الزكاة
لقد تبين في المبحث السابق أن الخلاف في فقه الزكاة لييس خلافا في الأصول، ولكنه خلاف في الفروع المتصلة أكثر بطريقة التطبيق، ومع الاقرار بأن المسائل المختلف فيها لها آثار على حصيلة الزكاة، إلا أن لهذا الخلاف أسبابه ومبرراته المقبولة شرعا وعقلا، وهذا ماسيتضح مما يلى:
2/ 1: مدى اتساق الخلاف في فقه الزكاة مع التشريع الإسلامي:
الشريعة الإسلامية هى ما شرعه اللَّه سبحانه وتعالى لعباده من الأحكام وأوحى بها إلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ليبلغها ويبينها للناس، وبالتالى فجميع أحكام الشريعة الإسلامية من عند اللَّه عز وجل، غير أن منها ما أوحى به مفصلا فجاء الدليل والنص صريحا، ومنها ما جاء غير مصرح به، فكان طريق معرفته النظر فيما ورد صريحا وعدم التفصيل أو التصريح الكامل في بعض الأحكام جاء لارتباطها بمصالح الناس التي تختلف باختلاف الزمان والمكان ومن هنا جاءت القاعدة الأصولية"أن الشريعة فصلت فيما لم يتغير وأجملت فيما يتغير"ولما كان للزكاة جانبها المالى والذي يتصف بالتغير، لذلك جاءت بعض مسائلها مجملة في الشريعة، ولما كان علم الفقه والذى يعتبر أحد علوم الشريعة الإسلامية يقوم على أعمال العقل فيما ورد في الكتاب والسنة من أحكام لبيان الأحكام لأفعال المكلفين، لذلك فإن نتاج ذلك وهو ما يعرف بالفقه الإسلامي يمثل جزءا من الشريعة الإسلامية في معناها العام لأن الفقه هو السبيل الذي عرف به المسلمون كثيرا من الأحكام الشرعية التي شرعها اللَّه سبحانه وتعالى، والخلاف الفقهى ليس أمرا استجد بعد نهاية عصر النبوة وبداية عصر المذاهب الفقهية، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو المبلغ عن ربه سبحانه شريعته إلى الخلق أقر معاذ بن جبل على اعمال عقله (الاجتهاد) حين بعثه إلى اليمن كما هو مشهور، بل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - درب أصحابه على الاجتهاد والاختلاف في الرأى واقر كل واحد على رأيه كما هو معروف في روايات كثيرة منها رواية الرجلين الذين حضرت الصلاة وليس مهما ماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في وقت هذه الصلاة فتوضأ أحدهما وأعاد الصلاة، ولم يعد الأخر ولما أتيا النبى - صلى الله عليه وسلم - وذكروا له ذلك أقر كل منهما على فعله فقال للذى لم يعد الصلاة: أصبت السنة، وقال للذى توضأ وأعاد الصلاة لك الأجر مرتين.