وصل إليه بقانون الطرد وقانون العكس، ويرى أن"ما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس. فإنه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل فعلهم أصابه مثل ما أصابهم فيتقي تكذيب الرسل حذرا من العقوبة، وهذا قياس الطرد، ويعلم أن من لم يكذب الرسل لا يصيبه ذلك وهذا قياس العكس." [1] فهناك تلازم بين تكذيب الرسل وما يترتب عليه من الدمار وبين تصديقهم وطاعتهم وما يترتب عليه من النصر.
يتضح إذن من خلال نموذج ابن تيمية أنه قد أدرك طرفا من السنن الاجتماعية التي يتضمنها القرآن الكريم، ويتضح أيضا أن الأعمال التفسيرية على العموم والقديمة منها على وجه الخصوص قد تصلح عونا للباحث في هذا المجال، فبمقدورها أن تفيده وتعضده في استنباطه للمفاهيم وتركيبه لها لأنها قد حاولت بشكل أو بآخر أن تقوم بنفس العمل.
7.يركز الباحث جهده بعد هذه المرحلة حول محور أساسي هو بناء ما توصل إليه بحثه من مفاهيم جزئية وتركيب بعضها على بعض ضمن منظومة مفاهيمية يقبلها القرآن بحيث لا تتصادم مع وحدته البنائية، وغائيته، وإطلاقيته، وعربيته، وخصوصية لغته. إذ من المتعذر أن يبني الباحث رؤيته المفاهيمية بمعزل عن المنظومة، فهي أمر ضروري، ولا يمكن الحديث عن المفهوم باعتباره مفردة منقطعة الصلة عن سياقها المعرفي، كما لا يمكن تكوين وعي متكامل للمفهوم إلا ضمن المنظومة؛ ففي إطارها يفصل كل مفهوم عن غيره، كما يتحدد موقع كل مفهوم من غيره [2] ، ويظهر أيضا نوع الترابط الحاصل بين مجموع تلك المفاهيم، وهل هو ارتباط عضوي أم وظيفي أم غير ذلك. وتفيد هذه المنظومة أيضا في ترشيد البحث وتوجيهه نحو المظان التي من الممكن أن يكون الباحث قد أغفلها في جمعه الأول.
(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 9، ص 239.
(2) أي نعرف هل هو مفهوم إطاري أو مركزي أو مفهوم جانبي. [أنظر السيد محمد مصطفوي، دور المنهج في عملية التفسير، ص 140، مجلة الحياة الطيبة، السنة الثالثة، العدد 8، شتاء 1422 هـ/ 2002 م.]