الصفحة 31 من 39

تسميته بالسنن الاجتماعية، ثم يجعل الكل دينيا لأن جميع ذلك من تدبير الله وحكمته، فهو الذي أودع هذه السنن في خلقه، وأطلعهم في كتابه على سبل جريانها حسب أحوال الخلق وأوصافهم. إن الحكمة بالنسبة لابن تيمية"تقتضي تبديل بعض ما في العالم كما وقع كثير من ذلك في الماضي وسيقع في المستقبل، فعلم أن هذه السنن دينيات لا طبيعيات ( ... ) وقوله تعالى {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} [1] دليل على أن هذا من مقتضى حكمته، وأنه يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء متماثل لا بقضاء مخالف. فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون كان هذا موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف، بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد فإن الذنب كان لهم، ولهذا قال: {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [2] فعم كل سنة له، وهو يعم سنته في خلقه وأمره في الطبيعيات والدينيات. لكن الشأن أن تعرف سنته. وحقيقة هذا أنه إذا نقض العادة فإنما ينقضها لاختصاص تلك الحال بوصف امتازت به عن غيره." [3]

ومن خلال هذا القول يتبين لنا السبب الذي جعل ابن تيمية يتحدث عن قضية النصر والهزيمة- وهي سنة اجتماعية- على هذا النحو، فالكل في نهاية المطاف من حكمة الله وتدبيره، فهو الذي أنشأ هذه السنن وأقامها، وهو الذي أجراها وجعلها مطردة. ومقتضى حكمته أن تكون هذه السنن ثابتة لاتتبدل، وأما ما قد يبدو من انخرامها في بعض الأحوال، فما ذلك إلا لاختصاص هذه الأحوال بأوصاف معينة تجعلها لا تندرج تحت هذه السنة أو تلك.

ولم يقف عمل ابن تيمية عند تحديد المفهوم العام للسنة، وإنما عمل أيضا من خلال استعراض مجموعة من الآيات القرآنية على صياغة قانون عام يخضع له سير المجتمعات، وهو على وجه التقريب نفس ما يطمح الباحث فب ميدان السنن الاجتماعية إلى الوصول إليه في نهاية دراسته. [4] يسمي ابن تيمية هذا القانون الذي

(1) سورة فاطر، من الآية 43.

(2) سورة الأحزاب، من الآية 62.

(3) ابن تيمية، رسالة في لفظ السنة، ص 54.

(4) فهو يقوم بتصنيف ما توصل إليه ويستخرج المفاهيم الجزئية ويصوغ إطارا نظريا من أجل الوصول في النهاية إلى استخلاص القوانين التي تحكم اجتماع البشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت