الصفحة 1 من 14

تفرد الثقة وأثره في صحة الحديث: تأصيل وتطبيق.

قال الربيع بن خثيم:

"إن للحديث نورا كنور النهار فيعرف به، وللكذب ظلمة كظلمة الليل ينكره"

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وآله وصحبِه ومن والاه؛

أما بعد؛ فإن علومَ السُّنَّة من أجَلِّ علوم الإسلام، قيَّض الله لحفظها ورثَة النُّبوة، وعُدُولَ الأمَّة، فنفوا عنها تحريفَ الغالين، وتأويلَ الجاهلين، وانتحالَ المبطلين، وَهَبوا أنفسهم لهذا العلم الجليل، فاختلط بلحمهم ودمهم، فأصبحوا جزءا منه، لا يُذكرون إلا معه، فكان لهم لسان صدق في الآخرين، وما من شكٍ في أنَّهم قد أتقنوا قواعدَه، وخَبَروا مضايقَه، وحفظوا تفاصيلَه، واستوعبوا طرقَه، فميَّزوا بين الضَّعيف والصَّحيح بمجرَّد سماعهم للحديث، حتى ظنَّ النَّاسُ علمَهم كهانةً!!؟

وأنت تقرأ كتب العلل والرجال والتخريج لا تكاد عينُك تخطئ هذه الأسماء: مالك بن أنس، شُعبة بن الحجاج، يحي القطَّان، عبد الرَّحمن ابن مهدي، أحمد بن حنبل، يحيى بن مَعين، علي ابن المديني، أبو عبد الله البخاري، مسلم بن الحجَّاج، أبو داود السِّجستاني، أبو عيسى التِّرمذي، أبو بكر النَّسَائي، أبو زُرْعَةَ الرَّازي، أبو حاتم الرَّازي، أبو بكر ابن خُزَيْمَةَ، أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم، ابن عَدِي، ابن حِبَّان، أبو الحسين الدَّارقُطْني، وأضرابهم.

وما كان لهم أن يتبوءوا تلك المثابة؛ إلا بمنهجهم القويم، المنبثق عن استقراء تام لأحاديث الراوي، ومعارضة بعضها ببعض، والحكم على الرواة بناء على ذلك، مع التمييز بين الأحاديث التي رووها على الجادة وما أخطأ فيه الرواة، وكفى برهانا على ذلك عمل الإمام ابن عدي في كتابه الحافل» الكامل في ضعفاء الرجال «، فتجده يتتبع أحاديث الراوي كلَّها، ويسند لك ما وقع له في حديثه من الخطأ، ويختم بقوله:"وسائر أحاديثه مستقيمة". [1]

ولصفاء منهجهم ووضوحه ولإخلاصهم لله في طلبه، اتحدت أحكامهم، بل واتحد ما ينقدح في نفوسهم، وإنك لتجد في نَفْسِ واحد منهم من الحديث ما عند سائرهم، فهذا أبو زرعة قال له رجل:"ما الحجة في تعليلكم الحديث؟"، قال:"الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن وَارَةَ -يعني: محمد بن مسلم بن وارة- وتسأله عنه، ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث؛ فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم"، ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه!!، فقال:"أشهد أن هذا العلم إلهام"!! [2] .

حتى دعا الحافظ ابن حجر، رحمه الله إلى تقليدهم في أحكامهم، والتسليم لهم حيث قال:

"... يتبين لك عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه" [3] .

لكن؛

إِذَا تَمَّ أَمْرٌ بَدَا نَقْصُهُ ... تَرَقَّبْ زَوَالًا إِذَا قِيلَ تَمْ [4]

فمع القرن الخامس بدأت الضبابية تعلو وضوح هذا المنهج، وبدأت معالمه تَدْرُس وتمحى شيئا فشيئا، حتى قال الإمام الذهبي رحمه الله:"فعلى علم الحديث وعلمائه لِيَبْكِ من كان بَاكِيا" [5] .

لأنه تكلم في الفن غير أهله، فانحرف الدرس المصطلحي عن مساره الذي كان من الواجب أن يسير فيه، والذي رسمه المتقدمون من المحدثين، فتجد نفسك وأنت تقرأ كتابا في مصطلح الحديث غارقا في الفرضيات والمقدمات والنتائج والدعاوى والإيرادات، والتنكيت والاعتراض، والجنس والفصل والخاصة، فيضيع الدارس بين مصطلحات غريبة عن روح الحديث، ويزداد غربة عندما يحاول تطبيق ما درسه من قواعد.

وهذا من أعظم الأسباب التي توقع في الحيرة التي تعتري الواقف على تناقض النتائج بين أحكام المتقدمين والمتأخرين.

وإنك لتجد الحديث يحكم مالك، أو ابن معين، بنكارته، ثم تجد المتأخرين مجمعين على تصحيحه.

وهذا يحتاج منا إلى مراجعة هذا الفن، ومحاولة تخليصه مما أدخل فيه مما ليس منه، وإسهاما مني في ذلك، سأحاول درس مسألة واحدة من مسائله الكثيرة، وهي تفرد الراوي الثقة بالحديث، لما لها من الخطر، فالحكم بصدق المُخبَر به مبني على الثقة في عدالة المخبِرِ وضبطه، والعكس صحيح، ولما كان الحكم بما يغلب على الظن؛ لا من جهة القطع؛ فإنه قد يَهِمُ الضابط، ويصدق الكذوب؛ لذلك انتحى العلماء عمليَّةَ الاعتبارِ حتَّى يستخرجوا المتابعات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت