الصفحة 2 من 14

والشواهد، لما لها من أهمية في ترجيح أحد الطرفين، باعتبارها قرائن يستعان بها على الحكم.

إلا أنه حينما يتفرد الراوي برواية حديث دون أن يشاركه أو يخالفه أحد، فحينئذ تكون المعضلة التي شغلت علماء الحديث، وترددت فيها أقوالهم، وكان عليها مدار قواعد السنة.

ومَبعثُ الإشكال هو: لماذا تفَرَّدَ الرَّاوي برواية حديث دون غيره من أقرانه، مع العلم أنهم شاركوه في الأخذ عن الشخ عينِه، فهل تفرُّدُ الرَّاوي بالحديث علةٌ قادحة؟ أم يجب التفرقة بين الراوي الثقة وغيره؟ أم يجب اعتبار الموافقة والمخالفة؟ وهل يؤثر التفرد في الراوي نفسه؟ ومتى يزول التفرد؟ أسئلة عويصة، يحتاج الجواب عنها إلى دراسة معمقة، تجمع بين التأصيل والتطبيق، فلنشرع فيما قصدنا إليه مستمدين من الله سبحانه المدد والتوفيق.

التَّفَرُّدُ في اللغة من مادة: «ف ر د» ، والفرد هو: ما لا نظير له، يقال: تَفَرَّدَ وفَرَدَ بالأَمر يَفْرُد، وانْفَرَدَ، إذا لم يشاركه فيه غيره [6] .

ويقال: اسْتَفْرَدْتُ الشيءَ إِذا أَخذتَه فَرْدًا لا ثاني له، ولا مِثْلَ. [7]

والتَّفَرُّدُ في الاصطلاح لا يخرج عن هذا المعنى، إذ يطلقونه على ما رواه راو لم يشاركه فيه غيره. [8] .

فالتَّفَرُّدُ صفةٌ متعلقةٌ بالراوي، والحديث الذي تَفَرَّدَ بروايتِه أحدُ روَّاتِهِ يطلقون عليه: «الحديث الغريب» [9] .

وهذا اصطلاح شائع عند المحدثين، وقد يعبرون عنه بصيغ أخرى كقولهم: «هذا الحديث من أفراد فلان» ، و «تفرد به فلان» ، و «هذا حديث غريب» ، و «لا نعرفه إلا من هذا الوجه» ، و «ليس يرويه أحد إلا فلان» ، و «لم يروه عن فلان إلا فلان» ، و «لم يقع إلا من رواية فلان» ، و «تفرد به فلان عن فلان، لا أعلم حدث به غيره» ، و «تفرد به فلان من أصحاب فلان ولم يشاركه فيه غيره «، و» هذا الحديث من غرائب فلان» الخ ..

ومثل هذه العبارات تزخر بها كتب الحديث؛ لا سيما «جامع الإمام الترمذي» ، و «معاجم الإمام الطبراني» ، و «مسند البزار» ، بل إنَّ علماءَ الحديث أفردوا لهذا النوع كتبا مستقلة ككتاب: «غرائب مالك» للدارقطني، و «غرائب مالك» لأبي المظفر البزار، و «الغرائب والأفراد» للدارقطني، و «غرائب شعبة» لابن مندة، وغيرها ..

لا يَصْدُق إطلاق المحدثين للتفرد أو الغرابة على نوع واحد فحسب، بل إن ذلك يختلف من حديث لآخر، مما يجعل كثيرا من المبتدئين يقعون في أخطاء فاحشة متعلقة بهذا المعنى.

والتَّفَرُّدُ نوعان: «مطلق» و «نسبي» ، ومع أن الفرد والغريب مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن العلماء غايروا بينهما من جهة الاستعمال، فيكثر إطلاقهم الفرد على المطلق، والغريب على النسبي. هذا من حيث الاسم أما الفعل المشتق فلا يفرقون بينهما [10] .

هو الذي يقع التفرد فيه في أصل السند [11] . ومرادهم بأصل السند أمران:

أ- مَخْرَجُ الحديث: ونعني به الصحابي الذي روى الحديث وتفرد به، وما أكثر الأحاديث التي تفرد بها الصحابة، وتفردهم مقبول عند أهل العلم بالحديث، فإنه يوجد عند بعضهم ما ليس عند الآخر [12] ، وأشهر مثال على ذلك حديث:"إنما الأعمال بالنيات .."، فقد تفرد به عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ولم تصح رواية غيره [13] .

ب- مَدَارُ الحديث: ونعني به الراوي الذي يُروى الحديث من طريقه، فتنتهي عنده طُرُقُ الحديث عند جميع من خَرَّجَهُ، ويكون دون الصحابي، مثل حديث:"نهى رسول الله عن بيع الولاء وهبته"، فمداره على عبد الله بن دينار. كما سنفصل بحول الله.

هذا الغالب في استعمالهم لهذين المصطلحين، وقد يرادف بعضهم بينهما. وقد غاير الحافظ بينهما كما في ترجمة أم سعد بنت عمرو الجمحية حيث قال:"ولولا اتحاد المخرج وأن مدار الحديث [14] على صفوان بن سليم لجوَّزت أن تكون أم سعيد بنت مرة أم سعيد بنت عمرو أو عمير الجمحية" [15] .

وهو الذي يحصل التفرد فيه بالنسبة إلى راو أو بلد، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا، وقد قسمه الحافظ في النكت: إلى أربعة أقسام [16] : وسأمثل لكل قسم منها:

أحدها - تفرد شخص عن شخص: مثاله: حديث:"ما كان ضحك رسول الله إلا تبسما".

قال الترمذي:"هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه من حديث ليث بن سعد إلا من هذا الوجه" [17] .

وكذلك ما رواه أبو عبد الغني الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج الخالص، وإذا كان ليلة المزدلفة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت