فله حكم الرفع، فرفعه حقيقة علة غير قادحة.
* - الصورة الثالثة، تفرد الثقة بمتن حديث خالفه فيه غيره من الثقات، واختلاف حكم العلماء فيه:
أخرج البخاري [94] ، ومسلم [95] ، وأبو داود [96] والترمذي [97] والنسائي [98] ، وابن ماجة [99] ، كلهم من حديث ابن عبّاس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوج ميمونة وهو محرم".
حديث ابن عباس هذا صحيح، اتفق عليه الشيخان، وقال أبو عيسى الترمذي:"حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وأهل الكوفة [100] ."
لكن تعارضه أحاديث أخر فيها أن رسول الله تزوج ميمونة، وهو حلال.
منها: حديث أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال".
أخرجه مسلم في صحيحه: 2/ 1032 ح 1411، وأبو داود:2/ 169 ح 1843، وابن ماجه:1/ 632 ح 1964، وابن الجارود في المنتقى: ص 117 ح 445، وابن حبان: 9/ 442/4134. وغيرهم.
منها: حديث أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال، وكنت الرسول بينهما.
أخرجه الترمذي: 3/ 200 ح 841، وأحمد: 6/ 392، والدارمي: ح 1832، وابن حبان في الصحيح: 9/ 442/4135. وقال الترمذي:"هذا حديث حسن".
فهذان خبران صحيحان متعارضان، ولو كان التعارض بين أمر ونهي، أو قول وفعل، لهان الأمر حينئذ، ولكن إذا تعارض خبران من كل وجه عن حادثة واحدة، فلا سبيل إلى الجمع بينها إلا بالحكم بكذب أحد الخبرين وصدق الآخر. وعليه فلا بد من ترجيح أحدهما على الآخر، فذهب أغلب العلماء إلى الحكم بوهم ابن عبَّاس [101] ، وترجيح الروايات الأخرى لأسباب عدة ذكرها ابن حزم في قوله:"خبر يزيد عن ميمونة هو الحق، وقول ابن عباس وهم منه بلا شك لوجوه بينة:"
أولها - أنها رضي الله عنها أعلم بنفسها من ابن عباس لاختصاصها بتلك القصة دونه، هذا ما لا يشك فيه أحد.
وثانيها - أنها رضي الله عنها كانت حينئذ امرأة كاملة، وكان ابن عباس رضي الله عنه يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفى.
والثالث - أنه عليه السلام إنما تزوجها في عمرة القضاء، هذا ما لا يختلف فيه اثنان، ومكة يومئذ دار حرب، وإنما هادنهم عليه السلام على أن يدخلها معتمرا، ويبقى بها ثلاثة أيام فقط، ثم يخرج، فأتى من المدينة محرما بعمرة ولم يقدم شيئا إذ دخل على الطواف والسعي وتم إحرامه في الوقت، ولم يختلف أحد في أنه إنما تزوجها بمكة حاضرا بها لا بالمدينة.
فصح أنه بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه لا في حال طوافه وسعيه، فارتفع الإشكال جملة، وبقي خبر ميمونة وخبر عثمان لا معارض لهما والحمد لله رب العالمين" [102] ."
وترجيح ابن حزم لا غبار عليه، إذ القاعدة في كل خبرين متعارضين يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما رواه، والآخر غير مباشر، فرواية المباشر تكون أولى لكونه أعرف بما روى [103] .
وبعد؛ فيتبين لنا أن ما تقرر في كتب المصطلح من قبول تفرد الثقة مطلقا، وأن مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه توجب شذوذ الحديث ورده ليست على إطلاقها، بل يرجع ذلك إلى القرائن المحتفة بكل خبر، ونظرا للغفلة عن هذا المعنى، فقد كانت للمسألة آثار على المستوى الفقهي، وما أكثر الأحاديث التي أعلها الفقهاء بمجرد التفرد، أو المخالفة، غير آبهين للمسالك التي سلكها المتقدمون في ذلك، ولعله تكون لنا عودة إلى الموضوع لدراسته من الجانب الفقهي.
ولعل فيما أوردته مقنع لمن ألقى السمع وهو شهيد.
والحمد لله أوَّلا وآخرا ظاهرا وباطنا.
ابن أبي حاتم؛ الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، بيروت ط:1، 1952 م.
ابن أبي حاتم؛ علل الحديث، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة - بيروت، 1405 هـ.
ابن أبي شيبة؛ الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، ط:1،