كان المتقدمون من علماء الحديث يكرهون رواية الغرائب وما تفرد به الرواة، ويعدونه من شَرِّ الحديث، كما قال الإمام مالك رحمه الله:"شَرُّ العلم الغريبُ، وخيرُ العلم الظاهرُ الذي قد رواه الناس" [28] ، وقال سليمان الأعمش:» كانوا يكرهون غريبَ الحديث « [29] ، بل إن الإمام أحمد بن حنبل جعل مصطلح الغريب دليلا على الوهم، فقد نقل عنه محمد بن سهل بن عسكر أنه قال: «إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: «هذا الحديث غريب» أو «فائدة» فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد رواه شعبة وسفيان» [30] .
وقد دفع هذا التصور المتقدمين رضوان الله عنهم إلى تتبع طرق الحديث، والاستكثار منها؛ لأن الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه، ومما يفيد ذلك ما ذكره الشمس الذهبي عن عبد الله بن جعفر بن خاقان أنه قال:"سألت إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حديث لأبي بكر الصديق فقال لجاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر، فقلت له: أبو بكر لا يصح له خمسون حديثا من أين ثلاثة وعشرون جزءا، فقال: كل حديث لا يكون عندي من مئة وجه فأنا فيه يتيم" [31] .
ولذلك اعتبر الخطيب البغدادي رحمه الله اشتغال محدثي زمانه بجمع غريب الحديث انحرافا عن منهج المحدثين، فقال:"وأكثرُ طالبي الحديثِ في هذا الزَّمانِ يغلبُ على إرادتهم كَتْبُ الغريبِ دون المشهورِ، وسماعُ المنكرِ دون المعروفِ، والاشتغالُ بما وقع فيه السَّهوُ والخطأُ من رواياتِ المجروحينَ والضعفاءِ، حتَّى لقد صار الصحيحُ عند أكثرهم مجتنبًا، والثابتُ مَصْدوفًا عنه مطَّرحًا، وذلك كلُّه لعدم معرفتِهم بأحوالِ الرُّواة ومحلِّهم، ونقصانِ علمهم بالتمييز، وزُهدِهِم في تعلُّمه، وهذا خلافُ ما كان عليه الأئمةُ من المحدثين، والأعلامُ من أسلافنا الماضين" [32] .
إن هذه النصوص وغيرها كثير جدا، تدل دلالة صريحة على كراهية السلف لغريب الحديث، وما تفرد به الرواة، فهل يفهم من ذلك أنهم يضعفونها؟ إن مثل هذا الاستنتاج له ما يؤيده من حيث النقل، فهذا الإمام أبو داود السجستاني يصرح بذلك في رسالته إلى أهل مكة، بل ويجعل مجرد الاحتجاج به موجبا للطعن في المحتج، فيقول:"فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك، ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي احتج به إذا كان غريبا شاذا" [33] .
لكن؛ يعكر عليه كلام شيخه الإمام أحمد بن حنبل حين قبل تفرد الإمام مالك، وقال:"ومالك إذا انفرد بحديث فهو ثقة" [34] .
في حين نجده متحرجا متوقفا من حديث تفرد به مالك، هل يضعفه وهو الإمام الحافظ الثبت الثقة، أم يقبله وهو غريب، ونستشعر حيرته هذه في قوله:"كنت أتهيب حديث مالك"من المسلمين" [35] ، حتى وجدته من حديث العمريين"قيل له:"فمحفوظ هو عندك؟"قال:"نعم" [36] .
فإنه ما سكنت نفسه إلى أنه محفوظ حتى توبع عليه الإمام مالك رحمهم الله أجمعين.
فهل للمسألة ضابط كلي يعول عليه، ويحتكم عند الاختلاف إليه؟
يجيب الحافظ ابن رجب رحمه الله قائلا:"وليس عندهم في ذلك ضابط يضبطه" [37] .
ويظهر لي أن الاختلاف عند التحقيق اصطلاحي، فقد يطلق أحد الأئمة التفرد ويقصد به المنكر، أو الشاذ، أو الفرد المطلق، أو الغريب النسبي، أوالعكس، فلو قسمنا التفرد قسمة عقلية لسهل علينا وقتئذ تنزيل كل قول منزلته، ولاستقام لنا فهم صنيع المحدثين.
لا يخلو التفرد إما أن يكون من ثقة أو ضعيف، ولا يخلو أحدهما من أن يكون له مخالف، أو لا، وعليه، فهو أنواع أربعة:
§ ... تفرد الثقة دون مخالفة.
§ ... تفرد الثقة مع المخالفة.
§ ... تفرد الضعيف دون مخالفة.
§ ... تفرد الضعيف مع المخالفة.
وإذا كان النوعان الأخيران لا اختلاف بين أهل العلم في ردهما والحكم بنكارتهما، فإن النوعين الأولين فيهما من ذلك ما يدعونا إلى إخضاعهما للدرس.