قال:"فكان يُدق علي الباب وأنا ببغداد فأقول:"من ذا؟"فيقال:"يحيى بن حسان: نعم الإدام الخل"" [64] .
وقد سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال:"هذا حديث منكر بهذا الإسناد" [65] .
وقال ابن رجب:"ذكرنا أن كثيرا من الحفاظ استنكروه -يعني: نعم الإدام الخل- على سليمان بن بلال، منهم أحمد وأبو حاتم وأحمد بن صالح وغيرهم"، ثم قال:"ولكن هذا من نوع الغريب المذكور قبل هذا؛ فإنه غريب من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، على انه قد روي من وجه آخر عنها وهو ضعيف، والحديث معروف من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم" [66] .
فهذا الحديث مع استنكار مجموعة من أهل العلم له، إلا أنهم لم ينزلوه إلى درجة الضعيف، فقد أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وحسَّنه الترمذي، وصححه ابن بطة والذهبي وغيرهما، ويوجَّه استنكارهم إلى أنهم قصدوا به التفرد.
وقد صرح بذلك الحافظ ابن حجر في النكت:"وكلامهم يقتضي أنه -أي: المنكر- الحديث الذي انفرد به الراوي مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ والإتقان، أو انفرد به من غير مخالفة لما رواه أحد لكن هذا التفرد نازل عن درجة الحافظ الضابط" [67] .
وخلاصة القول: أن تعامل الأئمة مع تفرد الثقة الذي لم يخالف على مستويين، فيختلف نظرهم باختلاف مرتبة الراوي في الحفظ والضبط والإتقان، ولا ينزل حديثه عن درجة الحسن.
إن مجرد التفرد يقدح في نفس الناقد سؤالا عن مدى ضبط الراوي الثقة للحديث؛ إلا أن هذا التساؤل يزداد قوة عندما يُخَالَف هذا المتفرد في روايته ممن هو أوثق منه، أو يخالفه أكثر من واحد، فيقوى الظن عندئذ في وهم الراوي وخطئه، مما حذا بجمهور المحدثين إلى رد هذه الرواية من الناحية الاصطلاحية، ولكن اختلف نظرهم عند التطبيق.
أولا - موقف العلماء من مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه:
حكى الخليلي وغيره [68] عن الحجازيين من المحدثين أنهم يسمون هذا النوع بالشاذ، وعليه أغلب المتأخرين [69] وأحسنُ من عبَّر عنه الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:"ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره؛ إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقات حديثا فيشذ عنهم واحد فيخالفهم" [70] . وقد اعتبر الحافظ ابن حجر هذا التعريف فقال:"هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح" [71] .
وقال النووي في شرح المهذب أن:"أكثر المحدثين على أن الشاذ أن يروي -الثقة- ما لا يرويه سائر الثقات سواء خالفهم أم لا" [72] ، فاعتبر الشافعي المخالفة لما لها من الأثر في صحة الحديث، فمناط الحكم في الشاذ عنده هو المخالفة. بينما وصف الشذوذ عند غيره متردد بين القبول والرد.
ثانيا - أثر المخالفة في تعليل الحديث:
للحكم بشذوذ الحديث لا بد من تحقق المخالفة.
المخالفة هي:"التغاير المؤثر الحاصل في السند أو المتن مع اتحاد المخرج". [73]
2 -شروط المخالفة المعتبرة:
فليس كل تغاير في سند أو متن بين راويين متحدي الشيخ معتبر، بل لا بد من تحقق شرطين آخرين:
الأول: أن تكون المخالفة مؤثرة: لأن صور الاختلاف بين الرواة كثيرة، منها ما هو مؤثر ومنها ما هو غير مؤثر، فلو حصل الاختلاف مثلا في تقديم بعض الألفاظ وتأخير أخرى، أو الرواية بالمرادف، أو المغايرة بين صيغ الأداء المتحدة المعنى، أو المغايرة في أسماء الرواة مع اتحاد المسمى، الخ ... فإن مثل هذا الاختلاف غير مؤثر في قبول الحديث ورده، بخلاف ما إذا كان الاختلاف في الوصل والانقطاع والإرسال، والرفع والوقف، والمزيد في متصل الأسانيد، أو يكون الاختلاف في المتن، كتعارض الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص ...
والشرط الثاني: أن يتحد المخرج: بأن يكون شيخ الرواة المختلفين واحدا.
3 -حكم المخالفة:
اختلف نظر المحدثين في مناط الحكم عند وقوع الاختلاف بين الرواة، هل يكون ذلك بالنظر إلى تفاوت الرواة من حيث الحفظ والضبط، فيقدم حديث الأضبط على غيره، ويكون محفوظا، أو تقديم حديث الأكثر عددا، أو تقديم الزيادة مطلقا، أو اعتبار النقص مطلقا.
والذي يتمخض من كلام النقاد أنه لا يوجد ضابط كلي، ويختلف الحكم بحسب نوع المخالفة، والأصل ترجيح حديث الأضبط على الضابط، والعدد الكثير على الواحد، وهو مقتضى كلام الحافظ في النخبة، قال رحمه الله:"فإن خولف _ أي: الراوي_ بأرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ،"