ومقابله، وهو المرجوح يقال له الشاذ" [74] ، ولكن قد يحتف هذا الحديث ببعض القرائن فيكون الحكم بخلاف الأصل."
ومن الأمثلة على ذلك، تعارض الاتصال والإرسال، والوقف والرفع، قال ابن دقيق العيد رحمه الله:"من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارضت رواية مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد لم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونا مطردا، وبمراجعة لأحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول" [75] .
وللبخاري مسلك في ذلك استفاده الحافظ ابن حجر، قال رحمه الله:"ويستفاد من صنيع البخاري أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله حكم للواصل بشرطين: أحدهما أن يزيد عدد من وصله على من أرسله، والآخر أن يحتف بقرينة تقويه" [76] .
4 -التطبيقات:
وسأورد بعض الصور المتعلقة بتفرد الراوي الثقة مع مخالفة الثقات له، مع اختلاف عمل المحدثين من صورة إلى أخرى، لنعلم أن حكمهم لا ينضبط لقاعدة معينة بل يختلف بحسب القرائن المحتفة.
* - الصورة الأولى، في تفرد الثقة برفع حديث وقفه جمع من الثقات، وحكم العلماء على رواية الثقة بالشذوذ:
قال الخطيب [77] : أخبرنا علي بن محمد بن الحسن المالكي أخبرنا محمد بن المظفر حدثنا احمد بن الحسن بن عبد الجبار حدثنا شجاع بن مخلد الفلاس في تفسيره حدثنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى:» وسع كرسيه السماوات والأرض «، قال:"كرسيه موضع قدمه والعرش لا يقدر قدره".
قال الخطيب: ابن المظفر قال لنا أبو عبد الله شيخنا:"هكذا قال لنا شجاع:"سئل النبي صلى الله عليه وسلم"!!."
وقد تفرد أبو الفضل شجاع بن مخلد الفلاس في رفع هذا الحديث، وهو من شيوخ مسلم، وثقه ابن معين وأحمد بن حنبل.
وقد خالفه في رفعه هذا الحديث جماعة فرووه موقوفا على ابن عبّاس، منهم:
§ ... أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي عن أبي عاصم به أخرجها الهروي [78] ، والخطيب [79] .
§ ... أحمد بن منصور بن سيّار الرمادي عن أبي عاصم به، أخرجه الخطيب [80] .
§ ... محمد بن معاذ عن أبي عاصم به، أخرجه الحاكم [81] .
وقد توبع أبو عاصم النبيل في وقف الحديث، تابعه كل من:
§ ... وكيع بن الجراح، عن سفيان به: أخرجها عبد الله بن أحمد [82] ، والهروي [83] ،والخطيب [84] .
§ ... وابن مهدي عن سفيان به: أخرجها عبد الله بن أحمد [85] ، والخطيب [86] .
وقو توبع سفيان في وقف الحديث، تابعه: قيس بن الربيع أخرجها: أبو الشيخ [87] .
فشجاع بن مخلد مع أنه أحد الثقات إلا أنه بتفرده ومخالفته لكل هؤلاء الثقات رُدَّ حديثه واعتبر شاذا، بل إن العقيلي ضعفه لأجل هذا الخطأ.
قال الحافظ:"صدوق وهم في حديث واحد رفعه وهو موقوف فذكره بسببه العقيلي" [88] .
* - الصورة الثانية، تفرد الثقة برفع حديث وقفه غيره من الثقات، مع عدم حكم العلماء بشذوذه:
أخرج الإمام الترمذي [89] ، والبيهقي [90] ، كلاهما من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث أخبرنا شعبة عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي e قال:"يجيئ القرآن يوم القيامة فيقول:"يا رب حله"فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول:"يا رب زده"، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول:"يا رب ارض عنه"، فيرضى عنه، فيقال له:"اقرأ وارق، وتزاد بكل آية حسنة"".
قال أبو عيسى الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح".
وقد تفرد عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة في رفعه، وخالفه جماعة:
منهم محمد بن بشار، حدثنا شعبة، عن عاصم بن بهدلة به. ولم يرفعه:
أخرجه الترمذي [91] ، و قال عقبه:"وهذا أصح من حديث عبد الصمد عن شعبة".
وتابع محمد بن بشار متابعة قاصرة عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عاصم به، أخرجها الدارمي [92] ، وحسين بن علي عن زائدة به، أخرجها ابن أبي شيبة [93] .
لكن مع التفرد والمخالفة لم يحكم العلماء بشذوذ حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، وقد صححه الترمذي كما سبق، وإنما اعتبر رواية الوقف أصح، وذلك لمجموعة من القرائن منها:
أن مضمون الحديث مما لا يقال من قبل الرأي، وليس أبو هريرة ممن يحدث بالإسرائيليات فالحديث وإن وقف عليه