الصفحة 3 من 14

غفر الله للتجار، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين، وإذا كان يوم جمرة العقبة غفر الله للسوَّال، ولا يشهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلا الله إلا غفر له"."

قال أبو عمر ابن عبد البر:"هذا حديث غريب من حديث مالك، وليس محفوظا عنه إلا من هذا الوجه، وأبو عبد الغني لا أعرفه" [18] .

ثانيها - تفرد أهل بلد عن شخص: مثاله: حديث:"تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعته ستين عاما فأمطرت الأرض فاخضرت ..", قال أبو حاتم ابن حبان:"سمع هذا الخبر غالب بن وزير عن وكيع ببيت المقدس ولم يحدث به بالعراق، وهذا مما تفرد به أهل فلسطين عن وكيع" [19] .

ثالثها - تفرد شخص عن أهل بلد: ومثاله: ما أخرجه أيضا أبو داود في السنن قال: من حديث عائشة قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم َيسْتَنُّ وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر فأوحي إليه في فضل السواك (أن كبر) أعط السواك أكبرهما". قال أحمد -هو ابن حزم: قال لنا أبو سعيد -هو ابن الأعرابي-:"هذا مما تفرد به أهل المدينة". [20]

رابعها - تفرد أهل بلد عن أهل بلد أخرى: ومثاله: ما ذكره الدارقطني في السنن: عن أبي داود أنه قال:"هذه سنة تفرد بها أهل مكة، وحملها عنهم أهل الجزيرة" [21] .

قد يكون الحديث مشهورا لكن يتفرد أحد رواته بسياق معين، قيعقب عليه الحفاظ بأنه غريب، فيظن من لا تمرس له بعلم الحديث أنها دعوى متعقبه لشهرة الحديث، وإنما يقصد بذلك غرابة السياق، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وقد يطلقون تفرد الشخص بالحديث ومرادهم بذلك تفرده بالسياق لا بأصل الحديث، وفي مسند البزار من ذلك جملة نبه عليها" [22] .

قال أبو عبد الله الحاكم:"ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل ولا عند أحد ممن رواه عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل فقلنا الحديث شاذ". [23]

قد يحكم بعض الحفاظ على حديث بأنه غريب، ويقصدون غرابة تركيبه إذ لم يعهدوا مثل ذلك السند، ومثاله ما ذكره البخاري في حديث» كفارة المجلس «الذي رواه موسى ابن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، حيث قال:"لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" [24] .

للترمذي اصطلاحُه الخاص في كتابه، وقد كان اصطلاحه هذا مثار جدل كبير بين أهل الحديث، والذي يهمنا هو قوله:"حديث حسن غريب"، وقوله:"حديث غريب"، ومحل الإشكال في هذين المصطلحين هو أن الترمذي عرف الحسن بقوله:"كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن" [25] .

فإذا كان شرط الحسن عند الترمذي أن يروى من غير وجه فإن شرط الغريب أن لا يروى إلا من وجه واحد، فالجمع بين المصطلحين تناقض؛ إلا أن يكون للترمذي اصطلاحُه الخاص، والمسألة لا تخلو من أحد توجيهين:

إما أن الترمذي له استعمالان للحسن، فهو إن ذكره مجردا قصد تعريفه السابق، وإذا ذكره مقرونا بالغريب أراد به الحسن في الاصطلاح العام [26] .

وإما أن الترمذي لا يقصد الغريب بمعناه الاصطلاحي الذي قدمناه، وإنما له فيه اصطلاح خاص.

ولنترك التخمين جانبا، وننظر في كتاب الترمذي نفسه، قال رحمه الله في كتاب العلل:"وما ذكرنا في هذا الكتاب» حديث غريب «؛ فإن أهل الحديث يستغربون الحديث لمعان:"

§ ... رب حديث يكون غريبا لا يروى إلا من وجه واحد.

§ ... ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث لا يعرف إلا من حديثه.

§ ... ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث؛ وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه.

§ ... ورب حديث يروى من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد". [27] اهـ."

فيظهر أن استعمال الترمذي للغريب يكون في كل هذه الأوجه، وعليه فلا يستغرب الجمع بين الغريب والحسن، لأن بعض هذه الأوجه يجتمع مع الوصف بالحسن في اصطلاح الترمذي؛ ولو أن علماءنا رحمهم الله رجعوا إلى كلام الرجل، لما تكلفوا تلك التوجيهات والاعتذارات التي تزخر بها كتب المصطلح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت