ذهب الخليلي إلى أن الحديث الذي تفرد به الثقة:"يتوقف فيه، ولا يحتج به". [38]
واعتبر أبو عبد الله الحاكم ما تفرد به الثقة من قبيل الشاذ، فقال:"فأما الشاذ فإنه الحديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة". [39]
ومقتضى هذين النصين يشعر برد تفرد الثقة بالحديث، ولو لم يخالف، والواقع غير ذلك، ولبيانه نقول:
يحكم بعدالة الراوي وثقته وضبطه بحسب الصفات التي تتوافر فيه، وهو حكم ناتج عن تتبع لأحاديث الراوي كلها، ومعارضتها بأحاديث الثقات، وملاحظة نسبة الموافقة والمخالفة فيها، ثم تعميم الحكم على سائر حديثه، واستثناء ما أخطأ فيه، وهي عملية أتقنها جهابذة الأمة وحفاظ الملة، كالإمام مالك، ويحيى بن سعيد، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين، أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، وأبي عبد الله البخاري، والإمام مسلم، والترمذي، والَّنسائي، وهلم جرا ..
ولم يَسْلَم أحد من الخطأ، حتى قال يحيى ابن معين:"من لم يخطئ فهو كذاب" [40] ، وقال أبو عيسى الترمذي:"وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع انه لم يسلم من الغلط والخطأ كثيرا أحد من الأئمة مع حفظهم" [41] .
ولذلك كانوا يعدون الأحاديث التي يخطئ فيها الثقة، ولا شك أنها قليلة بالنسبة إلى عدد ما روى من الأحاديث، فهذا الإمام مالك، يقول فيه أبو حاتم الرازي:"إمام أهل الحجاز، وهو أثبت أصحاب الزهري، وإذا خالفوا مالكا من أهل الحجاز، حكم لمالك، ومالك نقي الرجال، نقي الحديث، وهو أتقن حديثا من الثوري والأوزاعي، وأقوى في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ منه، وأقوى من معمر وابن أبي ذئب" [42] .
إذن فالثقات مراتب متفاوتة، بعضهم أوثق من بعض، وعلى مثل هذه المقدمة يُخَرَّج النّصان السَّابقان، فالخليلي والحاكم لم يذكرا تفرد الحافظ البالغ في الثقة والضبط الغاية، وإنما ذكرا تفرد الثقة فقط، وبينهما فُرقَانٌ؛ لأن لفظ الثقة أعم [43] .
فإن قال قائل: لم تفعل شيئا، فتفرد الثقة الذي لم يبلغ الغاية في الحفظ والإتقان شاذ على مذهبهما!!.
قلت: لا يضره ذلك؛ لأن الشاذ عند الخليلي نوعان: شاذ صحيح، وهو ما تفرد به الثقة الذي لم يبلغ الغاية في الحفظ والإتقان. وشاذ غير صحيح، وهو ما تفرد به غير الثقة [44] .
والشاذ عند الحاكم:"غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راوٍ، أو أرسله واحد فوصله واهم" [45] .
وقد ارتضى هذا المخرج ابن الصلاح، فقال:"ينظر في هذا الراوي المتفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه"إلى أن قال:"ثم هو دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا عن ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر ..." [46] .
وفي كلام الحافظ في «النُزهَة» ما يفيد قبول هذا التوجيه، قال رحمه الله:"فإن الجميع يشملهم اسم العدالة والضبط؛ إلا أن للمرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة، وهي مقدمة على من يعدُّ ما ينفرد به حسنا، كمحمد ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده". [47]
تطبيقات على مجموعة من الأحاديث التي تفرد بها الثقات ولم يخاَلفوا فيها:
-الطبقة الأولى: حديث:"نهى رسول الله عن بيع الولاء وهبته".
تفرد بهذا الحديث الإمام المحدث الحجة، أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار القرشي العدوي المدني، مولى عبيد الله بن عمر بن الخطاب [48] .
أجمع أهل العلم على أنه ثقة، صرح بذلك يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي [49] ، وشذ العقيلي فاورده في الضعفاء [50] ، وعيب عليه ذلك [51] .
تخريج الحديث:
أخرجه مالك في الموطأ:2/ 782/1480، والطيالسي في المسند ص: 256 ح 1885، والشافعي في المسند ص:204،221،338، وعبد الرزاق في المصنف: 9/ 3/16138، والحميدي في المسند: 2/ 285، سعيد بن منصور في السنن ص:116 ح 267، ابن أبي شبيبة في الصنف: 4/ 208/20464، وأحمد في المسند:2/ 9/4560، 2/ 79/5496، 2/ 107/5850، والدارمي في السنن: 2/ 333/2572، 2/ 490/3156 - 3157، والبخاري في الصحيح: 2/ 896/2398، 6/ 2482/6375، ومسلم:2/ 1145/1506، وأبو داود:3/ 127/2919، والترمذي: