تقدم سابقا الحديث عن مفهوم المقاصد، وتبقى الإشارة في هذا المبحث إلى علاقة المقاصد بفهم القرآن وتفسيره، ذلك أن العلم بمقاصد الشريعة ليس مقصودا لذاته, و إنما يراد به - فيما يراد - إعماله واستثماره في فهم النصوص الشرعية وتوجيهها , وهذا يكون على الخصوص (في النصوص ظنية الدلالة إذ يستعين المجتهد بالمقاصد في فهم النصوص واختيار المعنى المناسب لتلك المقاصد وتوجيه معنى النص بما يخدمها , وقد يصل الأمر بالمجتهد إلى تأويل النص وصرفه عن ظاهره في حال مخالفة ذلك المعنى الظاهر لمقاصد الشريعة وكلياتها) [1] .
وبذلك تكون النصوص الشرعية قرآنا وسنة مجالا من مجالات إعمال المقاصد, بل عدها بعض الباحثين في علم المقاصد أول مجال اجتهادي يحتاج إلى النظر المقاصدي , قال الدكتور أحمد الريسوني: (ولعل أول مجال اجتهادي يتوقف على النظر المقاصدي ويستفيد منه هو مجال فهم النصوص وتفسيرها سواء كانت قرءانا أو سنة) [2] , ولئن كانت عبارة الدكتور الريسوني تفيد شيئا من التردد, فإن الدكتور يوسف أحمد محمد البدوي قد جزم بكون النصوص الشرعية أول مجال لإعمال المقاصد , ونص على ذلك صراحة بقوله: (المجال الأول: فهم النصوص وتفسيرها ومعرفة دلالتها) [3] , وشرح ذلك بقوله: (ومن المسلم به أن الشارع قصد من أحكامه تحقيق عبوديته وتحقيق مصالح عباده ودفع الفساد عنهم , فإذا وردت نصوص شرعية تحتاج إلى التفسير والبيان , فإن هذه النصوص تفسر ويحدد نطاق تطبيقها ومجال إعمالها في ضوء المصالح والمقاصد التي وردت هذه النصوص لتحقيقها والحكم التي جاءت من أجلها) . [4]
غير أنه بالنظر إلى جهود العلماء في تفسير النصوص الشرعية وبيان مدلولاتها يظهر وجود مدارس ومناهج في فهم تلك النصوص , ومرد ذلك إلى طبيعة ونوعية الأصول التي يستند إليها أصحاب كل اتجاه، ومن ثم يمكن التمييز بوجه عام بين اتجاهين رئيسيين في فهم النصوص الشرعية.
ويتعلق الأمر بالاتجاه الظاهري والاتجاه المقاصدي , يقول الدكتور أحمد الريسوني: (إن تفسير النصوص الشرعية يتجاذبه عادة اتجاهان: اتجاه يقف عند ألفاظ النصوص وحرفيتها مكتفيا بما يعطيه ظاهرها. واتجاه يتحرى مقاصد الخطاب ومراميه ... ) [5] .
ويمثل الاتجاه الأول أصحاب المدرسة الظاهرية التي يتزعمها الإمام داود الظاهري, كما يمثله كذلك (عدد من الفقهاء من مختلف المذاهب وممن ليس لهم مذاهب قديما وحديثا , إلا أنه يتفاوت في درجته ومداه من فقيه لآخر وأكثر ما يتمثل ذلك اليوم عند بعض الدعاة والمفتين من التيار السلفي) [6] .
(1) 2 - طرق الكشف عن مقاصد الشارع للدكتور نعمان جغيم ص: 46
(2) 3 - الفكر المقاصدي: قواعده وفوائده للدكتور أحمد الريسوني ص: 92
(3) 4 - مقاصد الشربعة عند ابن تيمية للدكتور يوسف أحمد محمد البدوي ص: 115
(4) 1 - المصدرنفسه ص: 115
(5) 2 - مدخل إلى مقاصد الشريعة للدكتور أحمد الريسوني ص: 8 - 9
(6) 3 - من أعلام الفكر المقاصدي للدكتور أحمد الريسوني ص: 111