الصفحة 8 من 19

وقد قرر ابن العربي - بناء على ما فسره - قاعدة تؤكد اعتباره لمقاصد الشريعة في التيسير , إذ قال: (والتنفير مفسدة للخليقة ,والتيسير مصلحة لهم) [1] وينبني على هذا أن التيسير في دعوة الناس إلى الإسلام , منهج قرآني يشهد له ما فسر به ابن العربي الآية المتقدمة , ولذلك أيضا شواهد أخرى ليس من صميم هذا البحث الخوض فيها أو التفصيل.

2 -قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى:» ويضع عنهم إصرهم « [2] : (الإصر هو الثقل , وكان فيما سبق من الشرائع تكاليف كثيرة فيها مشاق عظيمة, فخفف تلك المشاق لمحمد صلى الله عليه وسلم فمنها مشقتان عظيمتان: الأولى في البول , كان إذا أ صاب ثوب أحدهم قرضه , فخفف الله ذلك عن هذه الأمة بالغسل بالماء , وروى مسلم عن أبي وائل قال: كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض , فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد , لقد رأيتني أنا ورسول الله نتماشى , فأتى سباطة خلف حائط , فقام كما يقوم أحدكم , فبال فانتبذت منه , فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ" [3] , ومن الإصر الذي وضع إحلال الغنائم , وكانت حراما على سائر الأمم , ومنها ألا تجالس الحائض ولا تؤاكل , فخفف الله ذلك في دينه , فقال صلى الله عليه وسلم:"لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها" [4] في أعداد لأمثالها) [5] , وقد جعل ابن العربي التيسير في الإسلام برفع الإصر والحرج أصلا عظيما في الدين وركنا من أركان شريعة المسلمين شرفنا الله سبحانه على الأمم به , فلم يحملنا إصرا ولا كلفنا في مشقة أمرا. [6] "

3 -جاء في تفسير ابن العربي لقوله تعالى:» يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا ... إلى قوله تعالى: إن الله كان عفوا غفورا « [7] قوله: (المسألة الثامنة والثلاثون: دخول العفو والغفران على ما تقدم من الأحكام وانتظامها بهما , ووجه ذلك أن عفو الله تبارك وتعالى إسقاطه لحقوقه أو بذله لفضله , ومغفرته ستره على عباده , فوجه الإسقاط هاهنا تخفيف التكليف , ولو رد بأكثر للزم, ووجه بدله إعطاؤه الأجر الكثير على الفعل اليسير , ورفعه عن هذه الأمة في العبادات الإصر الذي كان

(1) 2 - المصدر نفسه: 2/ 398.

(2) 3 - سورة الأعراف الآية: 157.

(3) 4 - أخرجه البخاري في كتاب الوضوء, باب البول قائما وقاعدا, وباب البول عند سباطة قوم, وباب البول عند صاحبه والتستر بالحائط. وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة, باب المسح على الخفين.

(4) 1 - أخرجه الإمام مالك في الموطأ, في كتاب الطهارة, باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض.

(5) 2 - أحكام القرآن: 2/ 327 - 328 وينظر أيضا تفسيره لقوله تعالى:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"سورة البقرة الآية 285 أحكام القرآن: 1/ 347.

(6) 3 - ينظر أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 347

(7) 4 - سورة النساء الآية 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت