2 -واحْتَجَّ بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه «اللهم إني أعوذ بك من غنى مبطر وفقرٍ مُرِبٍّ -أو- مُلِبٍّ» والْمُرِب أو الْمُلِب المقعد الملزق بالأرض إذا افتقر وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم «اللهم لا غنى مطغي ولا فقر ينسي» وكان صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم إني أسألك غِنَايَ وغنى هؤلاء» وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كادت الفاقة أن تكون كفرا وكادت العين أن تسبق القَدَر» وروي «أعوذ بك من فقر يُنْسِي» وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أربعةٌ من قواصمِ الدهر إمامٌ تطيعه ويضلُّك وزوجةٌ تأمنها وتخونُك وجارٌ إن علم خيرا يستره وإن علم شرا نشره وذكره وفقرٌ حاضرٌ لا يجد صاحبه عنه مُتَلَدَّدًا» فقد سأل الغنى واستعاذ من الفقر فدل على أن الغنى أفضل
والجواب: أن الغنى الذي سأل هو الغنى عن الخلق كما جاء في الخبر «أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عن من سواك» وأما الفقر الذي استعاذ منه ففيه أوجه
أحدها: فقرُ القلب وهذا تأويل أحمد ذكره في رواية الأثرم وقد سُئِلَ عن قول النبي صلى الله عليه وسلم «أعوذ بك من الفقر» كيف وقد جاء في الفقر ما فيه من الفضل؟ فقال إنما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من فقر القلب وروي نحوُ هذا التأويل عن السلف
[36] فذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الفقر بإسناده قال قال وُهَيْب بن الورد الفقرُ الذي كان يتعوذ منه فقر القلب
[37] وبإسناده عن سفيان بن عيينة أنه قال نسمع الناس يقولون الفقرُ الموتُ الأكبر ويرون الفقر هو قلة الشيء والفقر الذي جاء فيه ما جاء هو قلة الرضا بقضاء الله وقَسَمِهِ لقد ذكرهم الله فبدأ بهم فقال {للفقراء المهاجرين}
والذي يعضد هذا التأويل
[38] ما روى أبو عبد الله محمد بن خفيف بإسناده عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا ذر أَتَرَى كثرة المال هو الغنى؟» قلت نعم هو الغنى قال «أترى قلة المال هو الفقر؟» قلت نعم هو الفقر قال «الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب»
[39] وروى ابن الأعرابي بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس الغنى عن كثرة العَرَض ولكن الغنى غنى النفس»
والوجه الثاني: فقرُ الحسنات في الآخرة والذي يعضد هذا ما تقدم من حديث أبي سعيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة» فَبَيَّنَ أن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة يعني فقر الحسنات فإنه بذلك يستحق العذاب في الآخرة
الوجه الثالث: يحتمل أن يكون المراد به فقرا لا يحصل معه الصبر وهو معنى قوله «أعوذ بك من فقر يُنْسِي» معناه أن في الخلق مَنْ إذا عَدِمَ كفايته اشتغل قلبُه عن فرائضه ونوافله ولم تكن نفسُهُ ساكنةً مع العَدَم والذي يعضد هذا
[40] ما أخبرنا أبو محمد بإسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يا معشر الفقراء أُعْطُوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا»
فحثهم على الرضا وبَيَّنَ لهم إِنْ لم يوجد منهم الرضا لم يَحْصُل لهم الثواب
والذي يبين صحة هذه التأويلات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعاذ من الكفر والفقر وقال «كاد أن يكون الفقر كفرا» وقد عَلِمْنَا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما من الكفر وإنما استعاذ من نقصان الشكر على نعمائه لأنه لا يَنْفَكُّ عن النسيان فلهذا قال صلى الله عليه وسلم «إنما أنا بشر أنسى كما ينسى البشر» وكان صلى الله عليه وسلم يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»