فهرس الكتاب
بِأَهْلِ الْعِلْمِ اجْتَنَبْنَاهُمْ, وَعَلِمْنَا أَنَّ مَا اسْتَبْطَنُوهُ مِنْ دَنَاءَةِ الْأَخْلَاقِ أَقْبَحُ مِمَّا ظَهْرَ, وَعَلِمْنَا أَنَّهُ فِتْنَةٌ فَاجْتَنَبْنَاهُمْ, لِئَلَّا نُفْتَتَنَ كَمَا افْتُتِنُوا, وَاللَّهُ مُوَفِّقُنَا لِلرَّشَادِ.
قِيلَ لَهُ: نَعَمْ, سَنَذْكُرُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ مَا إِذَا سَمِعَهَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ, فَتَصَفَّحَ أَمْرَهُ, فَإِنْ كَانَ فِيهِ خُلُقٌ مِنْ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ الْمَكْرُوَهَةِ الْمَذْمُومَةِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ, وَأَسْرَعَ الرَّجْعَةَ عَنْهَا إِلَى أَخْلَاقٍ هِيَ أَوْلَى بِالْعِلْمِ, مِمَّا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَتَجَافَى عَنِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تُبَاعِدُهُمْ عَنِ اللَّهِ. فَمِنْ صِفَتِهِ فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ: يَطْلُبُ الْعِلْمَ بِالسَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ, وَإِنَّمَا يَطْلُبُ مِنَ الْعِلْمِ مَا أَسْرَعَ إِلَيْهِ هَوَاهُ.
فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ؟ قُلْتُ: لَيْسَ مُرَادُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَعْبُدُ اللَّهَ فِيمَا يَعْبُدُهُ مِنْ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ, وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ, إِنَّمَا مُرَادُهُ فِي طَلَبِهِ أَنْ يُكْثِرَ التَّعَرُّفَ أَنَّهُ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ, وَلِيَكُونَ عِنْدَهُ فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ هَذَّبَ نَفْسَهُ, وَكُلُّ عِلْمٍ إِذَا سَمِعَهُ أَوْ حَفِظَهُ شَرُفَ بِهِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ, سَارَعَ إِلَيْهِ, وَخَفَّ فِي طَلَبِهِ, وَكُلُّ عِلْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْلَمَهُ فَيَعْمَلَ بِهِ, ثَقُلَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ, فَتَرَكَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهُ, مَعَ شِدَّةِ فَقْرِهِ إِلَيْهِ. يَثْقُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَفُوتَهُ سَمَاعٌ لِعِلْمٍ قَدْ أَرَادَهُ, حَتَّى يُلْزِمَ نَفْسَهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي سَمَاعِهِ, فَإِذَا سَمِعَهُ هَانَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ, فَلَمْ يُلْزِمْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ بِهِ, كَمَا أَلْزَمَهَا السَّمَاعَ فَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ إِنْ فَاتَهُ سَمَاعُ شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ, أَحْزَنَهُ ذَلِكَ, وَأَسِفَ عَلَى فَوْتِهِ, كُلُّ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ مِنْهُ, وَكَانَ