وقواعد عقلية واصطلاحات واوضاع يجعلونها على النزاع وينطقون بها مقاصد القوم عند الدفاع فدونوا ذلك وسموه علم الكلام واصول الدين ليكون بازاء اصول الفقه ثم قال فان قيل ان الكلام والمنطق مبتدعان وكل بدعة يجب اجتنابها قلنا لانسلم ان كل بدعة تجتنب اذ منها ما يستحسن ولو سلمناها فغيرهما من العلوم كالحساب والطب والتنجيم وصناعتى الاصول والحديث والادب ونحوها كذلك فان قال السلف كانوا يحسبون ويعالجون ويجتهدون ويحدثون وانما احدث في هذه الصناعة الالقاب قلنا وكذلك كانوا يفسرون ويستدلون ويعللون ولا معنى للمنطق الا هذا كيف وهو الذى في الطباع مركوز ولا ينفك عنه عاقل فمن حرمه اما ان يحرمه لكونه حراما بوجه اخر فان اراد الاول قلنا لا نسلم ان مركوزيته توجب حصوله وعدم الفائدة في تعلمه اذ النفس غافلة حتى تتنبه والمركوز انما هو العقل الفطرى والوجدان حاكم بأن النفس خالية عن العلوم بل وعن الاستعداد حتى تشحذ بالقوانين نعم لاننكر ان يكون ذو فطرة سليمة لايحتاج الى تعلمه كالعربى المستغنى عن تعلم العربية فان زعم هذا المنكر ان فطرته هكذا لايحصل له ان يقبس سائر العقول بعقله ولا ان يسد الباب على غيره اذ وجد انه لا ينهض دليلا على ما اراد وان اراد الثانى قلنا ما وجه حرمته فان قال لكونه بدعة قلنا تقدم جوابه وان كان لشئ اخر فعليه بيانه اهـ كلام اليوسى اما ادعاؤه ان العلوم كلها نافعة ووسائل الى المقصود فهو على الاطلاق غير متجه كما سياتى بيانه في سياق المصنف فان فيه مقنعا واما غلوه في الثناء على المنطق وكونه مركوزا في الطباع السليمة فعجيب وتقدم ما يتعلق به في شرح كتاب العلم عند ذكر العلوم المحمودة والمذمومة ما يغنى عن اعادته هنا وانما اوردنا كلامه هنا لمناسبته مع كلام الفرقة الثانية بان علم الكلام غاية ما فيه ذكر الحجة والمطالبة بالدليل والنقض والمنع (وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة والبحث عنها محظورا) اى ممنوعا (وقد قال) الله (تعالى) فى كتابه العزيز (قل هاتوا برهانكم) ان كنتم صادقين فطلب منهم البرهان (وقال عزوجل ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة) فجعل الهلاك الذى هو كناية عن الانهزام والمغلوبية والحياة التى هى كناية عن الظفر بالغلبة مقصورين على البينة (وقال تعالى فلله الحجة البالغة) اى الكافية او المنتهية في التوكيد والبلاغ وقيل المراد بالحجة هنا الكلام المستقيم (وقال تعالى الم تر الى الذى حاج ابراهيم في ربه) اى خاصمه فيه بطلب الاحتجاج على ربوبيته جل وعز (الى قوله فبهت الذى كفر) اى الآيات بتمامها والبهت والتحير والدهش والمراد هنا انقطاع الحجة (اذ ذكر احتجاج ابراهيم) عليه الصلاة والسلام (ومجادلته وافحامه) اى اسكاته (خصمه) وهو النمروذ ملك زمانه وكان يدعى الالهية (فى معرض الثناء عليه) والمدح له واعلم ان لإبراهيم عليه السلام في الاحتجاج مقامات احدها مع نفسه وهو قوله تعالى فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى الى اخر الاية وهذه طريقة المتكلمين فانه استدل بافولها وتغيرها على حدوثها ثم استدل بحدوثها على وجود محدثها وثانيها حاله مع ابيه وهو قوله ياابت لم تعبد ما لايسمع ولا يبصر الى اخر الايات وثالثها حاله مع قومه تارة بالقول وتارة بالفعل اما القول فهو قوله ما هذه التماثيل التى انتم لها عاكفون واما الفعل فقوله فجعلهم جذاذا الا كبيرا لهم ورابها حال مع ملك زمانه وهو الذى ذكره المصنف ثم انه عليه السلام لما استدل بحدوثها على وجود محدثها كما اخبر الله تعالى عنه في قوله ياقوم انى برئ مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض عظم شأنه بذلك (وقال وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه) نرفع درجات من نشاء فهذه رفعة بعلم الحجة (وقال تعالى) حكاية عن الكفار انهم (قالوا يانوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا) ومعلوم ان مجادلة الرسول مع الكفار لاتكون في تفاصيل الاحكام الشرعية فلم يبق الالنها كانت في التوحيد والنبوة (وقال تعالى في قصة) موسى عليه السلام ومباحثته مع (فرعون) قال (ويارب العالمين الى قوله اولو جئتك بشئ مبين) واعلم ان موسى عليه السلام ما كان يقول فى