على ما ذكرناه من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل ومقابلة حب الطمع) وميله (لزوال نعمة العدواة تلك الكراهة تمنعه من البغى) عليه (ومن الايذاء له فان جميع ما ورد من الاخبار في ذم الحد) مما تقدم ذكر بعضها (يدل ظاهره على ان كل حاسد آثم) على الاطلاق (والحسد عبارة عن صفة القلب لامن الافعال) الصادرة عن الجوارح (فكل محب مساءة المسلمين) ومضرتهم (فهو حاسد فاذا كونه آثما بمجرد حسد القلب من غير فعل هو في محل الاجتهاد والاظهر) من القولين (ما ذكرناه من حيث ظواهر الآيات والاخبار ومن حيث المعنى اذ بعيد ان يعفى عن العبد في ارادته مساءة مسلم) واشتماله بالقلب عليها من غير كراهة لها (وقد عرفت من هذا ان لك من أعدائك ثلاثة أحوال احداها ان تحب مساءتهم بطبعك) من حيث مجانسته بالنفس (وتكره) حبك لذلك وميل قلبك اليه بعقلك (وتمقت نفسك) أى تبغضها (عليه وتوادو كانت لك حيلة في ازالة ذلك الميل عنك وهذا معفو عنه قطعا) أى من غير شك فيه (لانه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه الثانية ان تحب ذلك وتظهر الفرح يمساءته) وغمه (اما بلسانك) بالقدح والشتم ونحوه (أو بجوارحك) أى بفعلها (فهذا هو الحسد المحظور قطعا) أى من غير شك فيه (الثالثة وهو بين الطرفين ان تحسد بالقلب من غير مقتك لنفسك على حسدك ومن غير انكار منك على قلبك) ولا الكراهة له (ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاها) من القول والعمل (وهذا محل الخلاف) فمن ذاهب الى انه لا يأثم ومن ذاهب الى انه يأثم (والظاهر انه لا يخلو من اثم بقدر قوة ذلك وضعفه) فاذا كا حبه له قويا كان الاثم كذلك وان كان ضعيفا كان الاثم كذلك والله أعلم وبه تم كتاب ذم الغضب والحقد والحسد والحمد الله الذى بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد أفضل المخلوقات وعلى آلة وصحبه وسلم تسليما كان الفراغ منه في الاول من نهار الثلاثاء سادس عشر صفر الخير من شهور سنة مائتين وألأف على يد مسؤده محمد مرتضى الحسينى غفر له بمنه وكرمه آمين والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الحمد الله الذى أصعد قوالب الاصفياء بالمجاهدات وأسعد قلوب الاولياء بالمشاهدات وخلص أشباح المتقين من ظلم الشهوات وأخلص أرواح الموقنين عن ظلم الشبهات أحمده حمدا من رأى آيات قدرته الباهره وشاهد شواهد فردانيته القاهره فانكشفت له عجائب المقدورات وأشكره شكر من اعترف بمجده وكماله واغترف من بحر جوده وافضاله فوطب باسرار المنازلات وأشهد أن لا اله الا الله الها واحدا وربا قادر فاطر الارضين والسموات شهادة تؤذن باخلاص الضمائر والطويات وتنير مطالع أنوارها غياهب الشكوك وسدف الدجنات وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله المبعوث الى كتفة البريات بالآيات الباهرات المنعوت باشرف الحلال الزاكيات صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأئمة وأصحابه الفضلاء الثقات وعلى أتباعهم باحسان ما هبت في الاسحار النسمات وسلم كثيرا كثيرات (وبعد) فهذا شرح (كتاب ذم الدنيا) وهو السادس من الربع الثالث من كتاب الاحياء للامام الربانى حجة الاسلام الغزالى أبى حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالى نفع الله باسرار علومه وأفاض علينا من افاضات أنوار فهومه تلك فيه عقده ألفاظه الغريبة ورفعت من جوه معانيها حجب الخفاء والربيه مع تتبع تخريج ما أورد فيه من الاخبار والآثار وما نقل من أقوال الصالحين ومن أحوال الاخبار على وجه غير مخل ولا ممل ان لم يصبه وابل فطل مستعينا بالله في سائر الامور سائلا منه الامد وشرح الصدورفنعم المولى ونعم النصير وهو على كل شىء قدير قال المصنف رحمة الله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الذى عرف أولياء غوائل الدنيا) أى دواهيها