(وفي كل شيء له آية) أي علامة دالة (تدل علي انه واحد) لا شريك له (وكما يقال هذه الصنعة المحكمة) المتقنة (تشهد لصاحبها بحسن التدبير) واصابة الفعل (وكمال العلم) وجودة المعرفة (لابمعني انها تقول أشهد بالقول) باللسان الظاهر (ولكن بالذات و) لسان (الحال وكذلك ما من شيء) من الاشياء (الا وهو محتاج في نفسه الي موجود يوجده) أي يخرجه من العدم الي الوجود (وبيتقنه) أي يحكمة (ويديم أوصافه ويردده في أطواره) المختلفة (فهي بحالها تشهد لخالقها بالتقديس) والتنزيه والضمير راجع الي الاشياء و في بعض النسيخ فهو بحاجته يشهد لخالقه (يدرك شهادتها ذو البصائر) الكاملة (دون الجامدين علي الظواهر) فلا حظ لهم في ادراك تلك الشهادة ولذلك قال تعالي (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) يعني ليس في وسعكم ان تعرفوا حقيقة ذلك و أصل الفقه فهم الاشياء الخفية وقيل هو التواصل الي علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من مطلق الفهم (أما القاصرون) عن نيل الكمال (فلا يفقهون) ذلك (أصلا و أما المقربون) الي الله تعالي وهم فوق أهل اليمين (والعلماء الراسخون) في علومهم (فلا يفقهون كنهه وكماله) وكنه الشيء حقيقته ونهايته (اذا لكل شيء شهادات شتي) أي علي أنواع كثيرة (علي تقديس الله سبحانه وتسبيحه) وتنزيهه (ويدرك كل واحد) من أهل هذه المراتب (بقدر رزقة) ونصيبه الذي أعطيه (مبصيرته) التي خص بها دون غيره (وتعد تلك الشهادات) أي كل شهادة تفصيلا (لا تليق بعلم المعاملة) بل هو من علم المكاشفة (فهذا الفن أيضا مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه وتظهر به مفارقة الباطن للظاهر) بخلاف الاقسام الاربعة التقدمة (وفي هذا المقام لارباب المقامات اسراف) أي مجاوزة الحدود (واقتصاد) أي الوقوف علي مقام بين مقامين (فمن مسرف) مفرط (في دفع) وفي نسخة رفع (الظواهر انها) حاله (الي تغيير جميع الظواهر أو أكثر) المتعلقة بالآخرة (حتي حملوا قوله تعالي وتكلمنا أيديهم وتشهد أ رجلهم) أي بما كسبت (وقوله تعالي قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) أي جعله ناطقا (وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر و نكير) حين حلول الانسان في القبر وتلك المخاطبة أول فتنات القبور (و) كذلك (في الميزان) ذي الكتفين ووزن الاعمال (وفي الحساب) وتطاير الصحف في اليمين أو الشمال (ومناظرات أهل الجنة و قولهم أفضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) وأمثال ذلك (زعموا ان ذلك كله لسان الحال) لا للمقال حقيقة (وغلا الآخرون) منهم (في حسم الباب) أي سد باب التأويل مطلقا وهم من السلف (منهم) الامام (أحمدبن محمد بن حنبل) رحمه الله تعالي (حتي منع نأويل قوله تعالي كن فيكون) وهذا يعني سد باب التأويل علي الاطلاق هو المفهوم من ظاهر مذهبه كما نقله الثقات عنه (وزعموا) أن اتباعه ومقلدوه (ان ذلك خطاب) من الله تعالي (بحرف وصوت يوجد من الله تعالي في كل لحظة بعدد كون كل مكون) وقد ذكر أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي في كتابة تحرير الاصول وتهذيب المنقول ان الكلام عند الامام أحمد وجميع أصحابه ليس مشتركا بين العبارة ومدلولها هو الحروف المسموعة فهو حقيقة فيها مجاز في مدلولها ونقل عن بعض العلماء ان مذهب أحمد انه تعالي لم يزل متكلما اذا شاء ومتي شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وسيأتي البحث فيه في موضعه ونشبع الكلام هناك (حتي سمعت بعض أصحابه) أن الامام أحمد (يقول انه حسم باب التأويل الا لثلاثة ألفاظ) وردت أحدها (قوله صلي الله عليه وسلم الحجر الاسود يمين الله في أرضه) قال العراقي أخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمر وبلفظ الحجر يمين الله