الصفحة 1 من 7

اخْتَلَّتْ ضَوَابِطُ وَقُيُودُ تَقْويَةِ الضَّعِيفِ، فَجَاءَتِ الأَحْكَامُ خَاطِئَةً!.

الْحَمْدُ للهِ حَمْدَ مُسْتَمْنِحٍ مَزِيدًا مِنَ الإِحْسَانِ وَالإِمْدَادِ، وَمُسْتَلْهِمٍ التَّوْفِيقَ إِلَى سَبِيلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ. وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَكْمَلانِ عَلَى مَنْ لا تَزَالُ أَحَادِيثُ شِرْعَتِهِ سَالَمَةَ الْمُتُونِ صَحِيحَةَ الإِسْنَادِ، وَصِحَاحُ أَخْبَارِهِ أَنْدَى مِنْ قَطْرِ النَّدَى عَلَى الأَكْبَادِ، وَأَوْضَحُ دِلالَةً مِنْ سَرَيَانِ الأَرْوَاحِ فِي الأَجْسَادِ، وَحَمَلَةُ آثَارِهِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْعِبَاد، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ.

وَبَعْدُ ..

فَقَدْ تَقَرَّرَ وَتَأَكَّدَ: تَمْيِيزُ صِحَاحَ الأَحَادِيثِ وَتَمْحِيصُهَا، وَتَنْقِيَتُهَا مِنَ الْمَنَاكِيْر وَالشَّوَاذِّ وَتَخْلِيصُهَا، فَلا يُقْبَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ مَا كَانَ شَاذًّا أَوْ مُعَلاًّ، وَلا يُحْتَجُّ بِمَنْ كَانَ مِنَ الرُّوَاةِ وَضَّاعًا أَوْ كَذَّابًا أَوْ مَتْرُوكًا مُكْثَرًا أَوْ مُقِلاًّ.

قَالَ الإِمَامُ أبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: «فَلَوْلا الَّذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًَا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمْ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ: أَنَّ كَثِيرًَا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنْ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، مِثْلُ: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الأَئِمَّةِ، لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنْ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ» .

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ بَكْرَ بْنَ خَلَفٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِكِتَابَةِ أَحَادِيثِ الضُّعَفَاءِ، فَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِيهِ أَنْ يَفُوتَهُ بِقَدْرِ مَا يَكْتُبُ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الضَّعْفِ يَفُوتَهُ مِنْ حَدِيثِ الثِّقَاتِ.

وَقَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ أَنْشَدَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُبَيْشٍ:

يَا طَالِبِي الْعِلْمِ وَالرِّوَايَاتِ ... إِنَّ الرِّوَايَاتِ ذَاتُ آفَاتِ

لا تَأْخُذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَخِي تُهَمٍ ... إِلاَّ عَنِ الْجَائِزِ الشَّهَادَاتِ

إذَا رَضِيتُمْ مِنْهُ الأَمَانَةَ وَالدِّ ... ينَ لَهُ طَوِّقُوا الأَمَانَاتِ

وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَظِيمُ النَّفْعِ لِمَنْ تَدَبَّرَ فَحْوَاهُ، وَفَهِمَ غَايَتَهُ وَمَرْمَاهُ، وَعَمِلَ بِدِلالَتِهِ وَمُقْتَضَاهُ.

فَلْيَكُنْ هَذَا أَوَّلَ مَقَاصِدِ بَيَانِ مَا يَلِي:

حُكْمُ تَقْوِيَةِ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ بِالْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ

لا يَخفاكَ أَنَّهُ قَدْ تَرَخَّصَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِى رِوَايَةِ الآثَارِ وَكِتَابَتِهَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهَا فِى الأَحْكَامِ، وَالْحَلالِ وَالْحَرَامِ، فَشَدَّدُوا، وَمَا كَانَ فِى الرَّقَائِقِ، وَفَضَائِلِ الأَعْمَالِ، فَتَسَاهَلُوا.

وَقَدْ عَقَدَ الْحَافِظُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ» (1/ 133) بَابًَا لِهَذَا بِعُنْوَانِ:

بَابُ التَّشَدُّدِ فِي أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ، وَالتَّجَوُّزِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: قَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُ الأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيْمِ إِلاَّ عَمَّنْ كَانَ بَرِيئًَا مِنَ التُّهْمَةِ، بَعِيدًا مِنَ الظِّنَّةِ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَتْبُهَا عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخِ.

أَخْبَرَنَا أبو سَعْدٍ الْمَالِينِيُّ أنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَدِيٍّ ثَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْغَزِّيُّ ثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: لا تَأْخُذُوا هَذَا الْعِلْمَ فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ إلاَّ مِنَ الرُّؤُسَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ، الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَلا بَأْسَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْمَشَايِخِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرْوِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ثَنَا أَبِي وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهَسَنْجَانِيُّ قَالا: سَمِعْنَا يَحْيَى بْنَ الْمُغِيْرَةِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: لا تَسْمَعُوا مِنْ بَقِيَّةَ مَا كَانَ فِي سُنَّةٍ، وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا كَانَ فِي ثَوَابٍ وَغَيْرِهِ.

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ النَّيْسَابُورِيُّ لَفْظًا قَالَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيُّ يَقُولُ سَمِعْتُ أبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ السِّجْزِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّوْفَلِيَّ يَعْنِى أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِذَا رَوَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ وَالسُّنَنِ وَالأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الأَسَانِيدِ، وَإِذَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَمَا لا يَضَعُ حُكْمًَا وَلا يَرْفَعُهُ، تَسَاهَلْنَا فِي الأَسَانِيدِ.

حُدِّثْتُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْخَلاَّلُ أَخْبَرَنِي الْمَيْمُونِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: أَحَادِيثُ الرِّقَاقِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَسَاهَلَ فِيهَا حَتَّى يَجِئَ شَيْءٌ فِيهِ حُكْمٌ.

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ يَقُولُ: الْخَبَرُ إِذَا وَرَدَ لَمْ يُحَرِّمْ حَلالًا، وَلَمْ يُحَلَّ حَرَامًَا، وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًَا، وَكَانَ فِي تَرْغِيبٍ، أَوْ تَرْهِيبٍ، أَوْ تَشْدِيدٍ، أَوْ تَرْخِيصٍ وَجَبَ الإِغْمَاضُ عَنْهُ، وَالتَّسَاهُلُ فِي رُوَاتِهِ.

وَقَالَ فِي «الْجَامِعِ لأَخْلاقِ الرَّاوِي» (2/ 91) : وَيَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَتَشَدَّدَ فِي أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ الَّتِي يُفْصَلُ بِهَا بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ، فَلا يَرْوِيهَا إِلاَّ عَنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِفْظِ وَذَوِي الإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ، وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِفَضَائِلِ الأَعْمَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، فَيُحْتَمَلُ رِوَايَتُهَا عَنْ عَامَّةِ الشُّيُوخِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْمُؤَدِّبُ أَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ نَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْغَزِّيُّ نَا رَوَّادُ قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: خُذُوا هَذِهِ الرَّغَائِبَ وَهَذِهِ الْفَضَائِلَ مِنَ الْمَشْيَخَةِ، فَأَمَّا الْحَلالُ وَالْحَرَامُ، فَلا تَأْخُذُوهُ إِلاَّ عَمَّنْ يَعْرِفُ الزِّيَادَةَ فِيهِ مِنَ النَّقْصِ.

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ نَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ قَالَ: كَانَ أَبِي يَحْكِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا رَوَيْنَا فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَفَضَائِلِ الأَعْمَالِ تَسَاهَلْنَا فِي الأَسَانِيدِ وَالرِّجَالِ، وَإِذَا رَوَيْنَا فِي الْحَلالِ وَالْحَرَامِ وَالأَحْكَامِ تَشَدَّدْنَا فِي الرِّجَالِ.

وَأَقُولُ: وَهَذِهِ الأَقْوَالِ لا تَخْلُو أَسَانِيدُ أَكْثَرِهَا مِمَّنْ لا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ كأبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السِّجْزِىِّ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ. وَرَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ أَبُو عِصَامٍ الْعَسْقَلانِيُّ حَدَّثَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَحَادِيثَ مَنَاكِيْرَ، وَكَانَ قَدْ اخْتَلَطَ وَتَغَيَّرَ حِفْظُهُ.

فَإِنْ تَعَاضَدَتْ بِمَجْمُوعِهَا عَلى ثُبُوتِ نِسْبَتِهَا إِلَى هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ الرُّفَعَاءِ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى مَعَانٍ خَاصَّةٍ، مُقَيَّدَةٍ وَلَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَمُنْحَصِرَةٍ فِي الرِّوَايَةِ وَالْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ فِي الْعَمَلِ وَالتَّشْرِيعِ، وَمَقْصُورَةٍ عَلَى مَنْ خَفَّ ضَعْفُهُ مِنَ نَقَلَةِ الآثَارِ، وَلَمْ يَبْلَغْ حَدَّ التَّرْكِ كَالْكَذَّابِ وَالْوَضَّاعِ وَنَحْوِهِمَا.

وَلا يَخْفَاكَ دِلالَةُ قَوْلِهِمْ «إِذَا رَوَيْنَا» عَلَى مَقَاصِدِهِمْ مِنَ التَّرَخُّصِ وَالتَّيْسِيْرِ، وَأَنَّهُمَا لا يُجَاوِزَا الرِّوَايَةَ وَالْكِتَابَةَ، إِلَى الْعَمَلِ وَالاحْتِجَاجِ، وَاللَّذَانِ لا يُقْبَلا إِلاَّ مِنَ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ، وَهَذَا بَيِّنٌ لا خَفَاءَ فِيهِ، وَلا لَبْسَ فِي الدِّلالَةِ عَلَيْهِ.

وَمِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْمَحَاذِيرِ، قَوْلُ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: «إِذْ لا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا، وَلَعَلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَكَاذِيبُ، لا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ، وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلا مَقْنَعٍ» .

وَمَعَ ذَا، فَقَدْ أَخْطَأَ أَكْثَرُ الْمُعَاصِرِينَ فِي فَهْمِ دِلالَةِ هَذِهِ الرُّخَصِ وَالتَّيْسِيرَاتِ، وَوَسَّعُوا دَائِرَةَ الْعَمَلِ بِمَفْهُومٍ لَهَا لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ، وَلا أَرَادَهُ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةُ، حَتَّى ضَرَبُوا بِتَحْذِيرِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ قَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ عَرْضَ الْحَائِطِ، فَخَرَجَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ حَدِّ التَّسَاهُلِ إِلَى التَّغَافُلِ، وَعَنْ قَيْدِ التَّثَبُّتِ وَالإِحْتِيَاطِ إِلَى التَّقْصِيْرِ وَالإِفْرَاطِ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إِسْنَادٍ يَسِيْرٍ ضَعْفُهُ، مَجْبُورٍ كَسْرُهُ، وَإِسْنَادٍ ضَعْفُهُ أَكِيدٌ، وَكَسْرُهُ شَدِيدٌ، فَقَبِلُوا رِوَايَاتِ الْكَذَّابِينَ وَالْوَضَّاعِينَ، وَتَوَسَّعُوا فِى رِوَايَةِ كُلِّ مَا يَلْقَى قَبُولًا وَرَوَاجًَا لَدَى الْعَوَامِّ.

والْحَقُّ أَنَّ التَّسَاهُلَ الْمَذْكُورَ لا يَنْبَغِي أَنْ يَتَطَرَّقَ إِلَى الأَسَانِيدِ الْوَاهِيَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ وَالْبَاطِلَةِ، وَإِلاَّ لَتَهَدَّمَتْ قَوَاعِدُ وَشَرَائِطُ أَدَاءِ وَتَحَمُّلِ الرِّوَايَاتِ، وَأَهَمُّهَا عَدَالَةُ الرُّوَاةِ وَضَبْطُهُمْ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ ابْنِ مَهْدِيٍّ نَفْسَهُ، فَقَدْ كَانَ شَدِيدَ الانْتِقَادِ لِلرُّوَاةِ، وَاسِعَ الْمَعْرِفَةِ بِدَقَائِقِ عِلَلِ الأَحَادِيثِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مَا رَوَاهُ أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: لا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِكِتَابَةِ أَحَادِيثِ الضُّعَفَاءِ، فَإِنَّ أَقَلَّ مَا فِيهِ أَنْ يَفُوتَهُ بِقَدْرِ مَا يَكْتُبُ مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الضَّعْفِ يَفُوتَهُ مِنْ حَدِيثِ الثِّقَاتِ.

وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِى هَذَا الْمَهْيَعِ الصَّعْبِ، مَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْجِهْبَذُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِى «التَّبْصِرَةِ وَالتَّذْكِرَةِ» :

فَإِنْ يُقَلْ يُحتجُّ بِالضَّعِيفِ ‍ ... فَقُلْ إِذَا كَانَ مِنَ الْمَوْصُوفِ

رُوَاتُهُ بِسُوءِ حِفْظٍ يُجْبَرُ ‍ ... بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ يُذْكَرُ

وَإِنْ يَكُنْ لِكَذِبٍ أَوْ شَذَّا ‍ ... أَوْ قَوِىَ الضُّعْفُ فَلَمْ يُجْبَرْ ذَا

وَهَذَا الَّذِى حَرَّرَهُ طّيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ فِيمَا يُحْتَجُ بِهِ مِنَ الضِّعَافِ هُوَ حَدُّ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ عِنْدَ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ.

وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلامِ الْحَافِظِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلاحِ فِي تَحْرِيرِ حَدِّ «الْحَدِيثِ الْحَسَنِ» ، وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ ثَلاثَةَ حُدُودٍ: لأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ، وَأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ.

ثُمَّ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: كُلُّ هَذَا مُسْتَبْهَمٌ لَا يَشْفِي الْغَلِيلَ.

وَقَدْ أَمْعَنْتُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ وَالْبَحْثَ، جَامِعًا بَيْنَ أَطْرَافِ كَلَامِهِمْ، مُلَاحِظًا مَوَاقِعَ اسْتِعْمَالِهِمْ، فَتَنَقَّحَ لِي، وَاتَّضَحَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْحَسَنَ قِسْمَانِ:

[أَحَدُهُمَا] الْحَدِيثُ الَّذِي لَا يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلًا كَثِيرَ الْخَطَأِ فِيمَا يَرْوِيهِ، وَلَا هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ، أَيْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَا سَبَبٌ آخَرُ مُفَسِّقٌ، وَيَكُونُ مَتْنُ الْحَدِيثِ مَعَ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ بِأَنْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى اعْتَضَدَ بِمُتَابَعَةِ مَنْ تَابَعَ رَاوِيَهُ عَلَى مِثْلِهِ، أَوْ بِمَا لَهُ مِنْ شَاهِدٍ، وَهُوَ وُرُودُ حَدِيثٍ آخَرَ بِنَحْوِهِ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا، وَكَلَامُ التِّرْمِذِيِّ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ يَتَنَزَّلُ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي] أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ، لِكَوْنِهِ يَقْصُرُ عَنْهُمْ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْتَفِعُ عَنْ حَالِ مَنْ يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ حَدِيثِهِ مُنْكَرًا، وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ هَذَا - مَعَ سَلَامَةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَاذًّا وَمُنْكَرًا - سَلَامَتُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا.

وَعَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي يَتَنَزَّلُ كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ.

فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ جَامِعٌ لِمَا تَفَرَّقَ فِي كَلَامِ مَنْ بَلَغَنَا كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ، وَكَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ ذَكَرَ أَحَدَ نَوْعَيِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ النَّوْعَ الْآخَرَ، مُقْتَصِرًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا رَأَى أَنَّهُ يُشْكِلُ، مُعْرِضًا عَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُشْكِلُ. أَوْ أَنَّهُ غَفَلَ عَنِ الْبَعْضِ وَذَهِلَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، هَذَا تَأْصِيلُ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت