وَاعْتَبِرْهُ بِمِثَالٍ ثَانٍ، إِذْ أَوْرَدَ فِي «صَحِيحِتِهِ» حَدِيثَ (مُنْكَرٌ شِبْهُ مَوْضُوعٍ) :
(906) «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - شَهْرًا، وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامِ» .
فَقَالَ: أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْكَبِيْرِ» (3/ 209 / 2) ، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي «التَّارِيْخِ» (18/ 1 / 2) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَيْسٍ الضَّبِّيُّ ثنا سُكَيْنُ بْنُ أَبِي سِرَاجٍ ثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ, أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟، وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... فَذَكَرَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا. سُكَيْنٌ هَذَا اتَّهَمَهُ ابْنُ حِبَّانَ، فَقَالَ: «يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتُ» .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ» .
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ الضَّبِّيُّ مِثْلُهُ، أَوْ شَرٌّ مِنْهُ.
قَالَ الْحَافِظُ فِي «التَّقْرِيبِ» : «مَتْرُوكٌ، كَذَّبَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَغَيْرُهُ» اهـ.
ــــــــــــــــــــــــــ *** ــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَفَانَا الأَلْبَانِيُّ بِنَفْسِهِ مُؤْنَةَ الْكَلامِ عَلَى هَذَا الإِسْنَادِ بِمَا قَالَهُ تَصْرِيْحًا، وَتَأْكِيدًا: إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَمَعْنَاهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى: هَذَا إِسْنَادٌ ظُلُمَاتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، كُلُّ مَنْ دُونَ: عَمْرُو بْنِ دِينَارٍ لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَلا مَأْمُونٍ.
سُكَيْنُ بْنُ أَبِي سِرَاجٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ الضَّبِّيُّ، وَأَشْبَاهُهُمَا مِنَ الْمَتْرُوكِينَ، لا تُذْكَرُ أَحَادِيثُهُمْ فِي الصِّحَاحِ، لا أَصْلًا، وَلا مُتَابَعَةً، وَلا شَاهِدًا!. [وَلَيُرَاجَعُ فِي هَذَا الشَّأْنِ: شُرُوطُ الشَّيْخَيْنِ فِي صَحِيحِهِمَا] .
وَقَدْ عَلِمَ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُ مُصَنِّفِي الصَّحِيحِ: طَرْحُ الأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ، وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، مَمَّا رَوَاهُ الْوَضَّاعُونَ وَالْمَتْرُوكُونَ، مِمَّنْ لا يَحِلُّ ذِكْرُهُمْ إِلاَّ تَحْذِيرًا مِنْ سُوءِ صَنِيعِهِمْ، والاقْتِصَارُ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ، وَالأَمَانَةِ.
ــــــــــــــــــــــــــ *** ــــــــــــــــــــــــــ
ثُمَّ اسْتَدْرَكَ الأَلْبَانِيُّ: لَكِنْ، قَدْ جَاءَ بِإِسْنَادٍ خَيْرٍ مِنْ هَذَا:
فرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي «قَضَاءِ الْحَوَائِجِ» (ص 80 رقم 36) ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي فِي «الْفَوَائِدِ الْمُنْتَخَبَةِ» (1/ 147 / 2) - بِبَعْضِهِ -، وَابْنُ عَسَاكِرَ (11/ 444/ 1) مِنْ طُرُقٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ ... ».
قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، فَإِنَّ بَكْرَ بْنَ خُنَيْسٍ صَدُوقٌ لَهُ أَغْلاطٌ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ.
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الشَّيْخَيْنِ. فَثَبَتَ الْحَدِيثُ. وَالْحَمْدُ للهِ تَعَالَي اهـ.
ــــــــــــــــــــــــــ *** ــــــــــــــــــــــــــ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَنَّي لِهَذَا الإِسْنَادِ الْحُسْنَ، وَفِيهِ بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ، الَّذِي ضَعَّفَ بِهِ الأَلْبَانِيُّ نَفْسَهُ عَشَرَاتِ الأَحَادِيثِ فِي ضَعِيفَتِهِ، لِمَقَالِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِيهِ: مَتْرُوكٌ، وَقَوْلِ الذَّهَبِيِّ: وَاهٍ.
فَكَيْفَ صَارَ هَاهُنَا صَدُوقًا، وَصَارَتْ مَنَاكِيْرُهُ وَأَبَاطِيلُهُ أَغْلاطًا؟. وَكَأَنَّهُ لا اخْتِلافَ عَلَي تَوْثِيقِهِ، وَلا طَعْنَ فِيهِ؟!.
بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الصَّالِحِينَ، كَانَ رَجُلًا صَالِحًا عَابِدًا، وَكَانَ صَدُوقًا فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَدِيثُ مِنْ صِنَاعَتِهِ. وَللهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
وَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهِ ... وَلِلْمَحَارِيبِ عُبَّادٌ وَزُهَّادُ
قَال أَبُو حَاتِمٍ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ، فَقَالَ: لِلْحَدِيثِ رِجَالٌ (صَدَقَ وَاللهِ) .
وَقَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خِرَاشٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: مَتْرُوكٌ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَة السَّدُوسِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ: ضَعِيفٌ.
وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَذَكَرَهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي «بَابِ مَنْ يُرْغَبُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ» : وَكُنْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يُضَعِّفُونَهُمْ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجَوْزَجَانِيُّ: كَانَ يَرْوِي كُلَّ مُنْكَرٍ، وَكَانَ لا بَأْسَ بِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَرْوِي عَنِ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ أَشْيَاءَ مَوْضُوعَةً، يَسْبِقُ إِلَى الْقَلْبِ أَنَّهُ الْمُتَعَمِّدُ لَهَا.
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ: وَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَيُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيْرَ عَنْ قَوْمٍ لا بَأْسَ بِهِمْ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ رَجُلٌ صَالِحٌ، إِلاَّ أَنَّ الصَّالِحِينَ يُشَبَّهُ عَلَيْهِمُ الْحَدِيثُ، وَرُبَّمَا حَدَّثُوا بِالتَّوَهُمِ، وَحَدِيثُهُ فِي جُمْلَةِ حَدِيثِ الضُّعَفَاءِ، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، أَوْ رَضِيَهُ، أَوْ لَيَّنَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ لِصَلاحِهِ، وَزَهَادَتِهِ، وَكَثْرَةِ غَزْوِهِ.
وَالْخُلاصَةُ، فَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، يَحْتَاجُ إِلَى دُعَامَةٍ، فَكَيْفَ يَكُونَ عَاضِدًا لأَحَادِيثِ الْكَذَّابِينَ وَالْمَتْرُوكِينَ؟!.