وَاعْتَبَرْ ذَا بِصَنِيعِ الشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ - رَحِمَهُ اللهُ - فِي «صَحِيحِتِهِ» ، إِذْ أَوْرَدَ حَدِيثَ:
فَقَالَ: «رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ في «الرُّبَاعِيَّاتِ» (2/ 22/ 1) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ (كَذَّابٌ مُتَّهَمُ بِالْوَضْعِ) حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَرْفُوعًا.
قُلْتُ: وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (مَا فَائِدَةُ هَذَا مَعَ مَا يأتِي بَعْدُ!) ، غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ، وَهُوَ الْكُدَيْمِيُّ، وَهُوَ مُتَّهَمُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ.
لَكِنَّهُ قَدْ تُوبِعَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.
فأَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ في «الْمُخْتَارَةِ» (131/ 1) مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنِ الضَّحَّاكِ بِهِ.
فَالسَّنَدُ حَسَنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْهَيْثَمِيُّ في «الْمَجْمَعِ» (3/ 13) تَبَعًا لِلْمُنْذِرِيِّ في «التَّرْغِيبِ» (4/ 177) : «رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ» اهـ.
ـــــــــــــــــــــــــ *** ـــــــــــــــــــــــــ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ طُرُقِ تَخْرِيْجِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:
[أولًا] أَنْ يُبْتَدِئَ بِذِكْرِ أَحَادِيثِ الْكَذَّابِينَ وَالْوَضَّاعِينَ؛ الْكُدَيْمِيِّ وَأَشْبَاهِهِ!.
مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى الْكُدَيْمِيُّ، كَذَّابٌ أَشِرٌ. كَذّبَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زكريَّا المُطَرِّزِ.
قَال عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعْتُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ يَقُولُ - وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ-: اللَّهُمْ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ الْكُدَيْمِيَّ كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَسُئِلَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، فَقَالَ: يُتَّهَمُ بِالْوَضْعِ، وَمَا أَحْسَنَ فِيهِ الْقَوْلَ إِلاَّ مَنْ لَمُ يُخْبِرْ حَالَهُ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: رَأَيْتُ أَبَا دَاوُدَ يُطْلِقُ فِي الْكُدَيْمِيِّ الْكَذِبَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: الْكُدَيْمِيُّ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، تَرَكَهُ ابْنُ صَاعِدٍ وَابْنُ عُقْدَةَ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَلَمْ يُحَدِّثْ عَنْهُ، وَقَدْ حُفِظَ فِيهِ سُوءُ الْقَوْلِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
فَهَذَا الصَّنِيعُ مُخَالِفٌ لِصَنِيعِ الأَئِمَّةِ مُصَنِّفِي الصَّحِيحِ: الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَمُصَنِّفِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ: أَبِي عَوَانَةِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَغَيْرِهِمَا، إذْ يَبْتَدِئُونَ جَمِيعًا بِذِكْرِ أُصُولٍ هِيَ أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ وَأَحْسَنُهُ، مِنْ طُرُقِ الْحُفَّاظِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الأَحَادِيثِ. وَهَذَا أَغْلَبِيٌّ عِنْدَهُمْ، لا يُجَاوِزُونَهُ إِلاَّ فِي أَضْيَقِ نِطَاقٍ، حِينَ يَعَزُّ وُجُودُ الأَصَحِّ.
أَرَأَيْتَكَ هَذَا الصَّنِيعَ الْبَدِيعَ لإِمَامِ نَيْسَابُورَ أبِي الْحُسَيْنِ الْقُشَيْرِيِّ:
قَالَ: (1829) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» ،
وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ (ح) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ (ح) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ (ح) وحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ.
وَقِسْ عَلَى هَذَا مِئَاتٍ مِنَ الأَحَادِيثِ، خَرَّجَهَا فِي صَحِيحِهِ مُتَّبِعًا هَذَا الْمَنْهَجَ الْبَعِيدَ الْمَنَالِ، الْبَدِيعَ الْمِثَالِ. وَهَذَا فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
[ثَانِيًا] قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ - يَعْنِي الْكُدَيْمِيَّ الْكَذَّابَ - قَدْ تُوبِعَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ!.
وَهَلْ تَدْفَعُ مُتَابَعَاتُ الثِّقَاتِ بِأَسْرِهِمْ الْمَعَرَّةَ عَنْهُ، أَوْ تَرْفَعُ خَسِيسَتَهُ، أَوْ تُنْسِي النُّقَّادَ كَذَبَاتِهِ، فَتُقْبَلُ أَكَاذِيبُهُ وَمَرْوِيَاتُهُ؟!. الْجَوَابُ: بِالْقَطْعِ لَهُ.
فَحَسْبُ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ عَنِ الْكَذَّابِينَ.
ـــ (بَيَانُ مَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِيمَنْ كَذَبَ فِي الْحَدِيثِ مَرَّةً وَاحِدَةً) ـــ
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ: فِي الرَّجُلِ يَكْذِبُ كِذْبَةً وَاحِدَةً: لا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْعَدَالَةِ، الْكَذِبُ شَدِيدٌ. «الْعُدَّةُ» (3/ 927) ، «التَّمْهِيُد» (3/ 110) .
نَقَلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ الْحَلَبِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ مُحَدِّثٍ كَذَبَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ، قَالَ: تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى، وَلا يُكْتَبُ عَنْهُ حَدِيثٌ أَبَدًا. «الْعُدَّةُ» (3/ 928) ، «الْمُسَوَّدَةُ» (1/ 519) .
قال الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: مَنْ نَوَى أَنْ يَدْغَلَ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ يَدْغَلْ سَقَطَ. «الْمُسَوَّدَةُ» (1/ 520) .
ونقل عنه سندي وغيره: إِذَا كَانَ الرَّاوِي يِتَسَاهُلُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ وَيَكْذِبُ فِيهَا، وَيَتَحَرَّزُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَبِلَ رِوَايَتَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا. «الْمُسَوَّدَةُ» (1/ 529) .
[ثَالِثًا] مِنْ رَوَائِعِ الاسْتِفْتَاحِ فِي ذِكْرِ الصِّحَاحِ: أَنْ يُبْتَدِئَ بِذِكْرِ أَحَادِيثِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ.
وَقَدْ عَلِمَ الأَلْبَانِيُّ: أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي «مُسْنَدِهِ» ، وُثُوقًا بِقَوْلِ الْحَافِظَيْنِ: الْمُنْذِرِيِّ وَالْهَيْثَمِيِّ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَلَوْ طَلَبَهُ مِنْ مَظَانِّهِ، وَهُوَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ؛ لَعَلِمَ: أَنَّ إِسْنَادَهُ أَصَحُّ شَيءٍ، وَأَحْسَنُهُ.
فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ «مُسْنَدُهُ» (7513) : حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ (ثِقَةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ) حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم (ثِقَةٌ ثَبْتٌ) حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ الْبَجَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ» .
وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ الْهَيْثَمِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ فِي «كَشْفِ الأَسْتَارِ عَنْ زَوَائِدِ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ» (1/ 377/ 795) .
فَأَيْنَ الْكُدَيْمِيُّ الْوَضَّاعُ مِنَ الْحَافِظِ الْحُجَّةِ الثَّبْتِ: أبِي حَفْصٍ الْفَلاَّسِ؟.
وَالتَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ مِنَ اللهِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ، الْفَتَّاحِ الْكَرِيمِ.