فهرس الكتاب
وقال الإمام ابن بطال: أما الإختلاف في العدد قلة وكثرة فأصح ما ورد فيها من ستة وأربعين ومن سبعين. وقد وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين: جلية ظاهرة، كمن رأى في منامه أنه أعطى ثمرا فأعطى ثمرا مثله في اليقظة، فهذا القسم لا غرابة في تأويله ولا رمز في تفسيره؛ وخفية غير ظاهرة، وهذا القسم لا يعبره إلا حاذق لبعد ضرب المثل فيه. فيمكن أن هذا من السبعين والأول من الستة والأربعين، لأنه إذا قلت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها بخلاف ما إذا كثرت الأجزاء.
قال: وقد عرضت هذا الجواب على جماعة فحسنوه، وزادني بعضهم فيه أن النبوة كانت على مثل هذين الوصفين تلقاها الشارع عن جبريل، فقد أخبر أنه كان يأتيه الوحي مرة فيتكلم معه من غير كلفة، ومرة يلقي إليه جملا وجوامع يشتد عليه أمرها حتى يأخذه البرحاء وينحدر منه العرق. ولخصه المازري فقال: قيل إن المنامات دلالات، والدلالات منها ما هو جلي ومنها ما هو خفي، والأقل في العدد هو الجلي، والأكثر فيه هو الخفي، وما بين ذلك لما بين ذلك.
وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة رحمه الله تعالى ما حاصله: إن النبوة جاءت بالأمور الواضحة، وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينا في موضع آخر. وكذلك المرائي، منها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل، ومنها ما يحتاج. فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يخرج منها جزء من أجزاء النبوة، وذلك الجزء يكثر مرة ويقل أخرى بحسب فهمه، فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد، وأدناهم الأكثر من العدد، وما عداها ما بين ذلك اهـ.