فهرس الكتاب
العين الثانية تنظر إلى أنه تعالى هو خالقه وخالق ذلك الفعل، وأنه تعالى وعده بالثواب، وأنه تعالى في ذلك متفضل لا يجب عليه شيء فيما وعد به، وأنه مع ذلك مختار إن شاء رحم وإن شاء عذب، ولكن العبد لما سمع أمر مولاه امتثله واحتسب على ربه الأجر والخير. فإذا نظر العبد إلى ربه هذا النظر الحسن الجميل فلا يضره نظره إلى الثواب، فيعطيه ربه أجره ويثيبه بجزيل الحسنات.
فقلت: فإن هذا القسم اختلف فيه العلماء، فذهب الغزالي رحمه الله في كتاب منهاج العابدين إلى أنه لا أجر فيه، وجعله من باب التشريك للعمل وهو عنده بمنزلة الرياء المحبط للعمل، وذهب أبو بكر بن العربي في سراج المريدين والقرافي في القواعد والفروق رحمهما الله إلى أنه يؤجر عليه، وأن ذلك التشريك لا يضر، وأنه ليس بمثابة الرياء المحبط للعمل.
فقال رضي الله عنه: الصواب مع ابن العربي والقرافي، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وهذا قد أحسن عملا فلعمله نور إذا خرج من ذاته، ولنيته الصالحة ونظره إلى ربه بالعين الثانية نور آخر زائد على نور العمل، فكيف يحرم الأجر! وأكمل منه من لم ينظر إلى الأجر وهو القسم الأول، وأكمل منهما معا من انقطع عن العمل بعد نيته فلم يشعر بالعمل إلا عند الشروع فيه، وعند ذلك أنه نوى لله عز وجل ثم غاب عنه بمشاهدة خالقه سبحانه فجال فكره في عظمته تعالى وكبريائه، نسأله تعالى أن يهب لنا ذلك بمنه وفضله وكرمه وجوده.
قال رضي الله عنه: وهذه المشاهدة توجب محبة الله سبحانه، ومحبته سبحانه توجب الإنقطاع إليه، والإنقطاع إليه يوجب أن يكون الأجر منه تعالى على ما يليق بقدره سبحانه لا على ما يليق بقدرة العبد؛ وعدم المشاهدة يوجب الغفلة عنه سبحانه، وهي توجب الإنقطاع إلى الذات، والإنقطاع إلى الذات يوجب أن يكون الأجر على قدر العبد لا على قدر الرب سبحانه.