فهرس الكتاب
ولهذا ترى رجلين كل منهما يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فيخرج لهذا أجر ضعيف، ويخرج لهذا أجر لا يكيف ولا يحصى، وسببه ما قلنا.
فالرجل الأول خرجت منه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع الغفلة وعمارة القلب بالشواغل والقواطع، وكأنه ذكرها على سبيل الألفة والعادة، فأعطي أجرا ضعيفا.
والثاني خرجت منه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع المحبة والتعظيم.
أما المحبة: فسببها أن يستحضر في قلبه جلالة النبي صلى الله عليه وسلم وعظمته، وكونه سببا في كل موجود، ومن نوره كل نور، وأنه رحمة مهداة للخلق، وأنه رحمة الأولين والآخرين، وهداية الخلق أجمعين إنما هي منه ومن أجله، فيصلي عليه لأجل هذه المكانة العظيمة لا لأجل علة أخرى ترجع إلى نفع ذاته.
وأما التعظيم: فسببه أن ينظر إلى هذه المكانة العظيمة، وبأي شيء كانت، وكيف ينبغي أن تكون خصال صاحبها، وأن الخلائق أجمعين عاجزون عن تحمل شيء من خصالها لأنها ارتقت حقائقها فيه صلى الله عليه وسلم إلى حد لا يكيف بالفكر فضلا عن أن يطاق تحمله بالفعل، فإذا خرجت الصلاة من العبد على النبي صلى الله عليه وسلم فإن أجرها يكون على قدر منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى قدر كرم الرب سبحانه، لأن محرك هذه الصلاة والحامل عليها هو مجرد تلك المكانة العظيمة، فكان الأجر عليها على قدر تلك المكانة الحاملة عليها. وصلاة الأول كان المحرك عليها حظ نفسه وغرض ذاته، فكان الأجر عليها على قدر محركها،) وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (. فهكذا عمل العبد بينه وبين ربه، فإذا كان المحرك له هو عظمة الرب وجلاله وعلوه في كبريائه، فالأجر على قدر عظمة الرب سبحانه، فإذا كان المحرك له والحامل عليه مجرد غرض العبد وما يرجع لذاته، فالأجر على قدر ذلك، والسلام.
فقلت: فهل ينتفع النبي صلى الله عليه وسلم بصلاتنا عليه أو لا ينتفع؟ فإن هذه مسألة قد اختلف العلماء فيها رضي الله عنهم.