فهرس الكتاب
وقال سهل في ذلك: لا تخاطبوه إلا مستفهمين. وقال أبو بكر بن طاهر: لا تبدؤوه بالخطاب ولا تجيبوه إلا على حدود الحرمة:) وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ(أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمد يا أحمد، كما ينادي بعضكم لبعض، ولكن فخموه وعظموه وقولوا له يا نبي الله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا القبيل يكون الخطاب من المريد للشيخ، وإذا سكن الوقار في القلب ظهر على اللسان كيفية الخطاب. ولما كلفت النفس بمحبة الأولاد والأزواج وتمكنت أهوية النفوس والطباع، استخرجت من اللسان عبارات غريبة هي تحت وقتها صاغها كلف النفوس وهواها، وإذا امتلأ القلب حرمة ووقارا تعلم اللسان العبارة.
ثم قال بعد أن ذكر ما فعل ثابت بن قيس رضي الله عنه لما نزلت الآية من تقييده نفسه، وما شهد له به رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ من عيشه سعيدا وموته شهيدا ودخوله الجنة، وما آل إليه أمره من نزول قوله تعالى فيه:)إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم الآية، والشهادة، والوصية بعد الموت، وإجازة أبي بكر رضي الله عنه لها، قال: فهذه كرامة ظهرت لثابت بحسن تقواه وأدبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليعتبر المريد الصادق، وليعلم أن الشيخ تذكرة من الله تعالى ورسوله، وأن الذي يعتمده مع الشيخ عوض ما لو كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعتمده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قام القوم بواجب الأدب أخبر الحق عن حالهم وأثنى عليهم فقال تعالى:) أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى (، أي أخلص قلوبهم واختبرها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه، فكان اللسان ترجمان القلب وتهذب اللفظ لما تهذب القلب، فهكذا ينبغي أن يكون المريد مع الشيخ.