فهرس الكتاب
قال رضي الله عنه: وسيدنا جبريل إنما خلق لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وليكون من جملة حفظة ذاته الشريفة صلى الله عليه وسلم، وونيسه له، إذ هو صلى الله عليه وسلم سر الله من هذا الوجود، وجميع الموجودات تستمد منه، فيحتاج إلى مشاهدتها، وذاته الشريفة خلقت من تراب كذوات بني آدم فهي لا تألف إلا ما يشاكلها، فإذا شاهد ما لا يشاكله آنسه جبريل.
ثم ذكر لنا رضي الله عنه أن صور الملائكة تفجع هذه الذوات وتدهشها لكونها على صورة لا تعرف مع كثرة الأيدي والأرجل والرؤوس والوجوه، وكونها على سعة عظيمة بحيث تملأ ما بين الخافقين.
قال رضي الله عنه: ولا يعلم ذلك إلا من فتح عليه، فكان سيدنا جبريل ونيسه للذات الترابية الشريفة في أمثال هذه الأمور. وأما روحه الشريفة صلى الله عليه وسلم فإنها لا تهاب شيئا من هذه الصور ولا من غيرها لأنها عارفة بالجميع.
فقلت: ولم كانت الروح الشريفة لا تكفي في الونيسة؟
فقال رضي الله عنه: لأن الذات لا تشاهدها منفصلة عنها، والوحدانية لله تعالى وحده، لا يطيق الدوام عليها إلا ذاته تعالى ومن عداه شفع يحب الشفع ويميل إليه.
قال رضي الله عنه: وسيدنا جبريل إنما كان ونيسه فيما تطيقه ذاته ويعرفه مما هو تحت سدرة المنتهى، أما ما هو فوق ذلك من الحجب السبعين والملائكة الذين فيها فإنه لم يكن ونيسه في ذلك، لأنه أي سيدنا جبريل عليه السلام لا يطيق مشاهدة ما فوق سدرة المنتهى لقوة الأنوار، ولهذا ذهب صلى الله عليه وسلم في قطع تلك الحجب وحده ولم يذهب معه جبريل عليه السلام، وطلب منه الذهاب معه فقال: لا أطيقه، وإنما تطيقه أنت الذي قواك الله عليه.
وتكلمت معه في أمر الوحي، وكيفية تلقي النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يتلقاه بواسطة جبريل كما هو ظاهر كثير من الأي أو لا؟ فأتى فيه بكلام لا تطيقه العقول فلا ينبغي كتبه، والله أعلم.