الصفحة 638 من 761

(وهو أن يصدق تصديقا يقينا لا ضعف فيه ولا ريب، أن الله تعالى لو خلق الخلائق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما لا تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفه، ثم زاد مثل قدرهم علما وحكمة وعقلا، ثم كشف لهم عن عواقب الأمور، وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرفهم دقائق اللطف وخفايا العواقب، حتى اطلعوا بذلك على الخير والشر والنفع والضر، وأمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلم والحكمة، لما اقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليهم أن يزاد فيما دبر الله به الخلق في الدنيا والآخرة جناح بعوضة، ولا أن ينقص منها جناح بعوضة، ولا أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو ضر عمن بلي به، ولا أن تزاد صحة أو غنى أو كمال أو نفع عمن أنعم به عليه، بل كل ما خلقه الله من السموات والأرض إن أمعنوا فيه البصر وطولوا فيه النظر لما رأوا فيه من تفاوت ولا فطور، وكل ما قسمه الله بين عباده من رزق وأجل وسرور وفرح وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية، فكله عدل لا جور فيه، وحق صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي، وليس في الإمكان أصلا أتم منه ولا أحسن ولا أكمل، ولو كان وادخره مع القدرة ولم يفعله لكان بخلا يناقض الجود وظلما يناقض العدل، ولو لم يكن قادرا لكان عاجزا، والعجز يناقض الإلهية، بل كل فقر وضر في الدنيا فهو نقص في الدنيا وزيادة في الآخرة، وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص فهو نعيم بالإضافة إلى شخص غيره، إذ لولا الليل ما عرف النهار، ولولا المرض لم تتنعم الأصحاء بالصحة، ولولا النار لما عرف أهل الجنة قدر النعمة، وكما أن فداء أرواح الإنس بأرواح البهائم وتسليطهم عليها بالذبح ليس بظلم، بل تقديم الكامل على الناقص عين العدل، فكذلك تفخم النعم على أهل الجنة بتعظيم العقوبة على أهل النيران، وما لم يخلق الناقص لم يعرف الكامل، ولولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت