الصفحة 727 من 761

فإن قلت: هذا صحيح، ولكن ما سبق يقتضي أن أرواح الكفار في ذلك الأسفل الذي في السماء الدنيا، وهذا يقتضي أنها لا تكون في ذلك الأسفل بل في الأسفل التحتاني، فيتنافى الكلامان.

قلت: إن أرواح الكفار مختلفة كما سبق، فمنها ما يكون في هذا الأسفل، ومنها ما يكون في تلك العراجين، ومنها ما يكون في وسط بين الأسفلين، ومنها ما يكون في الأرض الثالثة.

وقد قال لي رضي الله عنه إنه رأى في الأرض الثالثة أقواما في بيوت ضيقة ونار محرقة وأبيار غامقة وعذاب دائم، لا يتكلم الواحد منهم كلمة واحدة حتى تهوي به هاويته فهو في صعود ونزول. قال رضي الله عنه: وبينما أنا أنظر فيهم إذ لاح لي رجل منهم أعرفه باسمه وبذاته في دار الدنيا، فناديته باسمه وقلت ويحك! ما أنزلك هذا المنزل؟ فأراد أن يكلمني فهوت به هاويته. وأكبر ظني أني قلت للشيخ رضي الله عنه: هذا موضع من مواضع البرزخ لأن البرزخ خارق للأرضين السبع إلى أسفل سافلين. فقال: صدقت. هكذا قال لي، والله أعلم.

وما دخل لي شك في جميع ما كتبته في هذا الكتاب إلا هذه الكلمة، فنبهت عليها لتعلم مرتبتها، والله أعلم.

وهذا الرجل الذي رآه الشيخ رضي الله عنه في هذه الأرض كان في دار الدنيا من جملة المؤمنين.

ثم قال رضي الله عنه: ومن عجيب إرادة ربنا سبحانه وتعالى أن حجب بلا حجاب أرواح الكفار عن الإنتفاع بأرواح المؤمنين.

قال: فتلك الأنوار لها إشراق وإضاءة لا يبلغها شيء من هذه النيرات، بل نور هذه النيرات إنما هو من تلك الأنوار على ما سيأتي، ومع ذلك فإن روح الكافر بالنسبة إلى ذلك النور لا تنتفع به ولا تستضيء منه بقليل ولا بكثير، بل هي في ظلامها وسوادها الذي لا يكيف، فهي بالنسبة إلى تلك الأنوار في الحجب عنها بمثابة من جعلها في حُق من هندي وقفل عليها بالرصاص، والفرض أنه لا حُق ولا رصاص إلا إرادته سبحانه وتعالى بمنع سريان النفع إلى الروح الكافرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت