اقترن اسم مدينة كورنثوس، عاصمة مقاطعة أخائية، بالاِزدهار التجاري والحضاري والفكري، وبالإِباحيَّة المنحطة. ويبدو أن الكنيسة فيها، وهي مؤَلفة غالبًا من مهتدين وثنيِّي الأصل، قد تسربت إليها هذه الإِباحية، إذ كان فيها شقاق بلغ الرسول خبره عن طريق عائلة خُلوي، ونجاسة أخلاقيَّة فادحة، ودعاوٍ بين المؤمنين لدى الوثنيين، وتجاوزات في الاحتفال بعشاء الرب، وفوضى في العبادة الجمهورية، وإساءة استخدام لبعض المواهب الروحية، وميل إلى التسلُّط لدى بعض النساء، وجدال حول مسائل الزواج وبعض الأمور الكنسيَّة الأخرى كالعطاء وممارسة المواهب ومسألة القيامة. فكتب الرسول إلى الجماعة المسيحية في كورنثوس هذه الرسالة الإِصلاحية لعلاج حالتها الشاذة، ويؤكد فيها التعاليم المسيحية المختصة بكثير من العقائد، وبالسلوك اللائق، مشيرًا إلى وجود الكنيسة في العالم كجالية سماوية باعتبارها جسد المسيح، مما يستدعي ضرورة انفصالها عن العالم وشهادتها لرأسها المسيح، وبخاصة أنّ مصيرها القيامة والالتحام برأسها أخيرًا، فتصير بالفعل مجيدة مقدسة، بينما هي الآن هيكل الله الذي يسكنه الروح وقد رتبه الله أحسن ترتيب
وحدد له نظامًا ونشاطات معينة تُمَارَسُ انطلاقًا من مواهب خاصة تكمل بعضها بعضًا بالمحبة تاج الفضائل. ومن المواهب التي يستوفي الرسول شرحها وتحديد ممارستها، التكلم بلغاتٍ مجهولة والتنبؤ. ولا تخلو الرسالة من إرشادات عملية هامة فضلا عن الحقائق الثمينة التي تكشفها.