ومما ينبغي التنبُّه له في موضوع (إعجاز القرآن) أن هذا المصطلح أحدث بلبلة في التفريق بين ما تُحُدِّي به العرب صراحة وبين (دلائل الصدق) الأخرى التي فيه التي سمَّاها العلماء (أنواع الإعجاز القرآني) ؛ كالإخبار بالغيوب، فظنَّ بعض الناس أنها داخلة في التحدي، والصحيح أنها دلائل صدق، لكنها ليست مما تَحدى الله به الإنس والجن.
وأوضح الأدلة على ذلك أن الله - سبحانه وتعالى - قد تحدَّاهم بأن يأتوا بسورة، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة: 23) . وإذا جمعْت الوجوه التي حُكيت في أنواع الإعجاز وجدت أنها لا تكون في كل سورة، بل تتخلف في كثير من السور، فالذي ينتظم في السورة ولا ينخرم هو التحدي بالنظم والبيان دون سائر الأنواع المُقحَمة في الإعجاز القرآني. فأنت لا تجد إعجازًا (غيبيًّا) في كل سورة، ولا تجد إعجازًا (علميًّا) في كل سورة، ولا تجد إعجازًا (تشريعيًّا) في كل سورة، لكن لا يمكن أن تخلو سورة من الإعجاز الكائن في النظم والبيان العربي.
فالذي يوجد في كل سورة بلا استثناء هو الوجه المتحدى به، وهو ما يتعلق بالنظم العربي لهذا القرآن (لغةً وبلاغةً وأسلوبًا) بأي اصطلاح اصطلح عليه العلماء؛ كقول بعضهم: الإعجاز البلاغي، وقول آخرين: الإعجاز البياني ... إلخ، فإن مرجعها إلى النظم العربي المتميز لهذا القرآن الكريم.
وليس المراد في نقد مصطلح (المعجزة) التخلي عن هذا المصطلح الذي توارد عليه العلماء جيلًا بعد جيل، وإنما المراد تصحيح بعض ما وقع في هذا الموضوع، والاجتهاد في ردِّ تعريف المعجزة إلى مصطلح الكتاب والسُّنّة قدر الطاقة.