الصفحة 336 من 922

لكن العجيب المدهش الذي يلوي الأعناق من أخبار الفتوح أن بعض هذه الأخبار كانت في وقت ضيق المسلمين، وعلى خلاف ما توحي به الأحداث، بل على عكسه ونقيضه، لقد كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يتنبأ - وهو في ضنك البلاء والمحنة - بما لا يمكن لأحد أن يحلُم به ولو في رؤياه.

فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ - رضي الله عنه - قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: «أَلا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟!» ، فَقَال: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالمنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إِلا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون» (رواه البخاري) .

إنه - صلى الله عليه وآله وسلم - يتنبأ بتمام أمر دينه، وبأمن أصحابه في زمنٍ ما كانوا يجرؤون فيه على إعلان دينهم خوفًا من بطش قريش وعذابها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت