فهرس الكتاب
وما يلفت النظر في هذه الآية الكريمة {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} ، أنه ما من قرية مُحصنة إلا والجُدران عامل أساسي في تحصينها, قال القرطبي في تفسير القرى المحصنة: «أي محصنة بالحيطان والدور, يظنون أنها تمنعهم منكم» , فلماذا أضاف الله كلمة (جُدُرٍ) بعد ذكر القرى المحصنة طالما أنها تشتمل الجدران؟ فقد رأينا كيف أحاطوا قراهم بخط بارليف ليفصلهم عن المصريين, ثم أحاطوها بالجدار العازل ليفصلهم عن الفلسطينيين, فالجدران هي جزء من تحصينهم الأساسي, فهل هناك إضافة جديدة من ذكر الجُدُر بعد القرى المحصنة.
فالمعنى أن اليهود حين يقاتلونكم, فإن لهم في قتالكم حالتين: الأولي أن يتحصنوا منكم بداخل قُراهم التي بالغوا في تحصينها, أما الثانية فالخروج للقائكم وذلك يستلزم ترك القرى المحصنة ولما كانوا أجبن من ذلك, فقد كانت فكرة الجدار هي الأنسب لهم لكي يتمكنوا من التحرك خارج حصونهم.
{لَا يُقَاتِلُونَكُمْ} أي اليهود {جَمِيعًا} أي مجتمعين, {إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} أي بالخنادق والحصون ونحوها , {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} أي يتسترون بها دون أن يبرزوا لكم فِي الصَّحرَاء؛ لفرط رهبتهم منكم. وكأنهم لهذا الخوف على حياتهم لا يقاتلونكم حتى يضعوا أكبر عددٍ ممكنٍ من الجدران ليقاتلوكم من خلفها، وهذا مصداق قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} (البقرة: 96) ، والتنكير في حياة يدل على أي أية حياة مهما كانت تافهة.
إننا في قتالنا مع اليهود إما أن نطلبهم فيتحصنون في القرى لشدة خوفهم, وإما أن يطلبونا فيتحصنون بالجُدُر في أثناء سعيهم إلينا من فرط جبنهم وحرصهم على الحياة, قال تعالى: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} (الحشر: 13) .