الصفحة 439 من 922

ولذلك فإن القرآن الكريم يتحدث عن هذه الحقيقة بطريقة غير مباشرة , وبصياغة ضمنية لطيفة , ولكنها في نفس الوقت بالغة الدقة والشمول والإحكام , قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} (الزمر: 5) .

ومعني {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} أي يغشي كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه , وهو وصف واضح الدلالة علي كروية الأرض , وعلي دورانها حول محورها أمام الشمس , وذلك لأن كُلا من الليل والنهار عبارة عن فترة زمنية تعتري نصف الأرض في تبادل مستمر.

ولو لم تكن الأرض مكوَّرة لَمَا تكور أي منهما , ولو لم تكن الأرض تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار وكلاهما ظرف زمان وليس جسمًا ماديًّا يمكن أن يُكوَّر , بل يتشكل بشكل نصف الأرض الذي يعتريه.

ولما كان القرآن الكريم يثبت أن الله تعالي يكور الليل علي النهار ويكور النهار علي الليل وهما فترتان زمنيتان تعتريان الأرض , فلابد للأرض من أن تكون مكورة , ولابد لها من الدوران حول محورها أمام الشمس.

فالتكوير معناه لفُّ الشيء على الشيء علي سبيل التتابع ولو كانت الأرض غير كروية (مسطحة مثلًا) لخيم الليل أو طلع النهار على جميع أجزائها دفعة واحدة ولكن الحقيقة أن الأرض كروية تدور حول نفسها ولهذا فنصف الكرة الأرضية يكون نهارًا لأنه يواجه الشمس بينما يكون النصف الآخر ليلًا، وباستمرار الدوران أو اللف يتبادل النصفان ويصبح النهار ليلًا والليل نهارًا وهكذا، كما أن الفعل المكرر مرتين في هذه الآية يدل بوضوح على كروية الأرض بكروية جوها الذي يتولد فيه الليل والنهار على التجدد على كل بقعة من بقاع الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت