الصفحة 542 من 922

إن المعرفة بالبعوضة والأحياء الدقيقة دونها ودورها في نقلها وإحداث الأمراض يستحيل أن يدركها أحد قبل اكتشاف المجهر، فلم يُعرَف دور البعوضة في نقل طفيل الملاريا مثلا إلا قبيل بداية القرن العشرين، وكلمة"ملاريا"إيطالية الأصل وتعني الهواء الفاسد، وقد بقيت مستخدمة حاليا كمصطلح تاريخي يعكس الاعتقاد الخاطئ بأن المرض ينتقل للإنسان عن طرق الهواء الفاسد قبل أن يعرف دور البعوضة في نقل الطفيليات المجهرية التي تسببه، ولذا عندما يستنكر القرآن الكريم الاستهانة بالبعوضة دالًّا على خطرها ويُشرك ما فوقها ضآلةً معها في الحكم فإنه يسبق عصر المعرفة العلمية بأكثر من عشرة قرون ويعلن أنه وحده هو كلمة الله الباقية للأمم خاصة أن دلالته العلمية تلك لا توجد في أي مدونة اليوم تنسب للوحي.

ومن عجيب البيان القرآني المعجز العدول باللفظ (بَعُوضَةً) والضمير (فَوْقَهَا) إلى الإفراد والتأنيث بدلا عن تغليب الذكر أو التعبير بالجمع الدال على تماثل الجنسين في الوصف، والحقيقة الراسخة أن أنثى البعوض وحدها هي التي تتغذى على الدم وتنقل الأمراض وليس للذكر أجزاء فَمِّيّة ثاقبة للجلد، وهكذا يعدل القرآن باللفظ إلى صيغة تتفق مع الواقع قبل أن يكتشفها الزمان وتعاينها الأجيال، ونفي الاستحياء بدلا من الإثبات لبيان أهمية البعوضة وما يماثلها يتضمن استنكار الاستهانة بها وبيان الجهل بخطرها عند التنزيل.

لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج: 73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت