الصفحة 554 من 922

والحال إنه لم يذهب، لا له ولا عليه، بل {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} لم يخف عليه من عمله نقير ولا قطمير، ولن يعدم منه قليلا ولا كثيرا، {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بد من إتيانه، ومثَّلها الله بالسراب الذي بقيعة، أي: لا شجر فيه ولا نبات، وهذا مثال لقلوبهم، لا خير فيها ولا بر فتزكو فيها الأعمال وذلك للسبب المانع، وهو الكفر.

والمثل الثاني، لبطلان أعمال الكفار { ... كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} بعيد قعره، طويل مداه {يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت الظلمة جدًّا، بحيث أن الكائن في تلك الحال {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} مع قُربها إليه، فكيف بغيرها.

كذلك الكفار، تراكمت على قلوبهم الظلمات، ظلمة الطبيعة، التي لا خير فيها، وفوقها ظلمة الكفر، وفوق ذلك، ظلمة الجهل، وفوق ذلك، ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في الظلمة متحيرين، وفي غمرتهم يعمهون، وعن الصراط المستقيم مدبرين، وفي طرق الغي والضلال يترددون.

وهذا لأن الله تعالى خذلهم، فلم يعطهم من نوره، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} لأن نفسه ظالمة جاهلة، فليس فيها من الخير والنور، إلا ما أعطاها مولاها، ومنحها ربها. يحتمل أن هذين المثالين، لأعمال جميع الكفار، كل منهما، منطبق عليها، وعددهما لتعدد الأوصاف، ويحتمل أن كل مثال، لطائفة وفرقة. فالأول، للمتبوعين، والثاني، للتابعين.

ظلمات البحار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت