فهرس الكتاب
تبين هذه الآية الكريمة أن من أراد الله هدايته شرح صدره للإسلام فاطمأن به قلبه واستنارت له نفسه، وأن من أراد به الضلال - وِفق مشيئته - ضاق صدره عن قبول الإيمان وانغلق انغلاقا تامًّا حتى لا يجد الخير حينئذ مسلكًا إلى قلبه، وقد شبَّه المولى - سبحانه - ضيق صدر هذا البائس بضيق صدر الذي يتصاعد في السماء بتناقص قدرته على التنفس الطبيعي درجة بعد درجة، وذلك لانخفاض الضغط الجزيئي للأكسجين في طبقات الجو العليا حتى يصل الضيق إلى أشد مراحله وهو مرحلة الحرج والتي لا يستطيع بعدها الأكسجين أن ينفذ إلى دمه، وهو تشبيه بليغ شبهت فيه الحالة المعنوية بحالة حسية، أُدرِكَت حقائقها وشوهدت كيفياتها اليقينية في هذا الزمان ولم تكن معلومة للبشر وقت التنزيل.
إن الله تبارك وتعالى أخبر أنه يجعل صدر الكافر الذي كتب الله عليه الضلالة {ضَيِّقًا حَرَجًا} وهذه صورة معقولة يفهمها السامع ثم شبهها بصورة متخيلة ولكنها معقولة وهي قوله تعالى: {كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} ، والتصعد أو الصعود إلى السماء هو الصعود إلى العلو، والمخاطبون بهذا القرآن ابتداء هم أهل مكة.
وإدراك هذا التشبيه أمر ممكن وميسور لهم بسبب طبيعة بلدهم الجبلية، فإن الصاعد في الجبل كلما ارتفع كلما ضاق صدره وصعب تنفسه وزادت ضربات قلبه، لكن هل كان أهل مكة يدركون سر هذا الضيق والحرج عند صعود الجبال وأن ذلك بسبب نقص الأكسجين؟ بالتأكيد لا.
فلما ظهرت الكشوف العلمية وتبين أن حياة الإنسان تتوقف على وجود غاز الأكسجين في الهواء, وأن الإنسان كلما ارتفع إلى طبقات الجو العليا كلما قل غاز الأكسجين ويصبح تنفس الإنسان بصعوبة حتى يصل إلى مرحلة ينعدم فيه الأكسجين ومن ثم يحصل الاختناق. وبهذا تبين أن الآية تخفي في ثناياها دلالة على آية كونية لم تكن معروفة للإنسان وهي شاهد على صدق هذا القرآن وأنه من عند الله تعالى الذي أتقن كل شيء.