الصفحة 770 من 922

«حمل معظم المفسرين دلالة الآية على المستقبل البعيد حين يتم تدمير العالم استعدادًا للقيامة والحساب, وقال بعضهم إن قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} هو خطاب للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خاصةً أطلعه الله فيه على سر من أسرار الكون ولم يُبِحْ به لِعجْز الناس عن إداركه في ذلك الزمن، وحقيقتُه: أن الأرض تدور حول الشمس دورة في كل يوم وليلة، ودروتها هي تسير معها الجبال فيها قطعًا فيرى المرءُ الجبال يحسبها جامدة وهي تمر مع الأرض مر السحاب والمرور غير السير فالسير يوم الفناء أما المرور يقال: مرّ بفلان يحمله معه ولا يقال سار به. واستدلوا على هذا المعنى بقوله - سبحانه وتعالى - بعد ذلك: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} .

وقالوا إن الجبال تتحرك تبعًا لحركة كوكب الأرض؛ باعتبار الجبال جزءًا منه, ولا نشعر بحركة الجبال لأننا نتحرك معها، فهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم.

فهذه الجبال التي يراها الرائي فيحسبها جامدة هي في الواقع على غير هذا الظاهر؛ إنها تتحرك في انتظام كما يمر السحاب, حقيقة لا ترى بالعين، والتعبير {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} فيه دعوة إلى البحث عن هذه الحقيقة؛ حقيقة كامنة تشهد بجلال الله, ولا تنكشف إلا بالعلم والنظر إلى ما خلْف صفحة هذا الوجود من نظام، نظرًا يملأ القلوب روعةً وخشوعًا ورهبةً, والتعبير {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} تقرير لتأكيد روعة الصنعة وإحكامها بنُظُم مقدرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت