وقد يعترض على هذا بأن يقال: لا يخلو حين اختلاف الصحابة في المسألة من أن يعلموا جميعًا أو يعلم بعضهم أن فيها دليلًا عن رسول الله r أو أن لا يعلموا بأجمعهم ، فإن علموا بالدليل ومن ثم تركوه جميعًا قائلين بأنه لم يصح عن رسول صلى الله عليه وسلم فيها شيء ؛ فإن ذلك والقول و الفعل إجماع منهم على عدم صحته وأنه مطعون فيه أو منسوخ وإجماعهم حجة ، وإن علمه البعض دون البعض الآخر ، فإن كان موافقًا لقولهم ولم يحتجوا به وقالوا عن الحديث بأنه لم يثبت عن رسول صلى الله عليه وسلم فقد يقال: إنه لا يصح لاحتمال أنه إذا سمعه المخالف لهم قد يقر به عن الرسول عليه السلام ويرجع عن قوله . وإن كان مخالفًا لقولهم موافقًا لقول مخالفيهم فترك من علمه العمل به لا يدل على عدم صحته لما سبق ، وإن لم يعلم به الجميع فلا يخلو من أن يكون مخالفًا لقول الجميع أو لا ، فإن كان مخالفًا لقول الجميع فهذا دليل على أنه غير صحيح ثم هذا لا يتصور وقوعه لعصمة الله أمة محمد r من الاجتماع على ضلالة فإن وقع فهذا دليل على بطلانه ، وإن كان الحديث موافقًا لأحد القولين، فهذا متصور وقوعه ومن ثم فالراجح من القولين ما وافق الحديث .
المسألة الثانية: الآثار الفقهية المترتبة على القول بهذه القاعدة:
لقد ترتب على القول بهذه القاعدة رد بعض الأحاديث الواردة في بعض المسائل الفقهية والتي منها ما يأتي: -
الحديث الأول: ( الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ) .
قال السرخسي ( [220] ) : ( فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلًا فعرفنا أنه غير ثابت أو مؤول . والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال ) .
قلت: روي هذا الحديث عن علي ( [221] ) وابن مسعود ( [222] ) وابن عباس ( [223] ) وزيد بن ثابت ( [224] ) بلفظ: ( الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ) .