الصفحة 43 من 83

لو نظرنا إلى المنهج النبوي في التربية لشخصية المسلم حتى يصبح مجاهدًا لوجدنا الآتي:-

1)عن البراء بن مالك قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم. قال:"أسلم ثم قاتل". فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عمل قليلا وأجر كثيرًا"متفق عليه واللفظ للبخاري.

فانظر إلى الهدي النبوي: هل اشترط شروطًا تعسفية، وقال لذلك الرجل: ارجع إلى المدينة حتى تأخذ فترة من الزمن، ومن خلالها يتقوى إيمانك ثم تدخل المعركة، فأما الآن فلست مؤهلًا لخوض المعركة.

وانظر إلى هدي محمد عليه الصلاة والسلام عندما خرج إلى حنين وخرج معه بعض أصحابه الذين هم حدثاء عهد بكفر، وماذا قالوا؟ وماذا أجابهم الرسول صلى الله علية و سلم؟ عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حُنين ونحن حُدثاء عهدٍ بكفر، وللمشركين سِدرة يعكفون عندها وينُوطون بها أسلحتهم يُقال لها: ذاتُ أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"الله أكبر، إنها السُنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ، لتركبُن سنن من قبلكم"رواه الترمذي وصححه، والشاهد أنه خرج في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة الذين لا يزال عهدهم بالكفر قريب، فيجهلون كثيرًا من الأحكام والمعتقدات حتى أنهم طلبوا هذا الأمر الفظيع، فكيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم معهم، هل أوقف الجيش وقال حدثاء العهد بالكفر لا يدخلون المعركة؟ أم علمهم ومضى بهم؟ بل إن ميادين القتال خير الأمور لتربية الأمة، فمن هذين الدليلين تعرف بطلان ما يدندن حوله بعض أفراد الجماعات الأخرى من أن الجهاد لابد من له من تربية عظيمة، وكأنه لا يجاهد إلا من يبلغ مبلغًا عظيمًا في العلم والإيمان.

فإذا ذكر لهم الجهاد دندنوا حول جهاد النفس وهكذا، فيقال لهم: للشخص منكم في الاستقامة خمسة عشرة سنة، وبعضكم أكثر وبعضكم أقل، أفلا تكفيكم التربية وجهاد نفوسكم؟ ثم من أين هذا الشرط المخترع؟

نعم إن التركيز على الجانب العقدي عند المجاهد أمر مهم بل هو الأساس، لكن اتبعوا الهدى النبوي في هذا الأمر، ثم لماذا يحشر العلم وكأنه شرط لازم للمجاهد؟ ألم يكن علماء الصحابة قليلًا بالنسبة لبقية الصحابة الآخرين؟ أما المجاهدون من الصحابة فهم العموم، ومن لم يجاهد وليس من أهل الأعذار فيلقى من اللوم و العتاب والعقاب ما الله به عليم، وما خبر كعب بن مالك و هلال بن أمية و مرارة بن الربيع -رضي الله عنهم- عنك ببعيد.

إن شرط القاعدة في الجهاد هو هذا الشرط النبوي، وانظر ماذا قال سيد -رحمه الله- حول ذلك: [نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادًا كبيرًا، إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن] (في ظلال القرآن) لذلك تنبَّه علماء السلف وأهل النظر الثاقب من المعاصرين إلى هذه القضية، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: [من كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد ... ] مجموع الفتاوى28/ 421، و هذا ابن القيم -رحمه الله- يجعل من يواظب على القيام والصيام والقراءة والذكر وكل ما هو غاية أصحاب التربية الهادئة، ويعطل الجهاد والصدع بالحق من موتى القلوب وممن يمقتهم الله، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. (إعلام الموقعين2/ 197)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت