ج / 2 ص -424- هو الذي ينحي رأسه، وما أخذه بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ. ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير قط مادًّا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه وروى أنه كان لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته فإذا فرغ عاد إلى صلاته، وكان أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب، قال عبد الله بن الحارث ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما شفقته صلى الله عليه وسلم على خلق الله ورأفته بهم ورحمته لهم فقد قال الله تعالى فيه: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} قال بعضهم من فضله عليه السلام أن الله أعطاه اسمين من أسمائه فقال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} ومن ذلك تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم كقوله:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء"، وخبر صلاة الليل ونهيهم عن الوصال وكراهية دخول الكعبة ليلا يعنت أمته ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته، ولما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال: مرني بما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين1 قال النبي صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم"
1 الأخشبان: الجبلان المطيفان بمكة وهما أبو قبيس والأحمر.