ماتت أمي بعد شهرين، فرأيت البارحة في منامي أبي، وعنده ثوبان أصفران، بين يديه نهر جار، قلت: يا أبته! ما هذا؟ قال يا أمه: من يعمل في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه الله تعالى، قلت: فما فعلت أمي؟ قال: وقد ماتت أُمُّك؟ قلت: نعم، قال: هيهات عُدِلَتْ عنا، فاذهبي فالتمسيها ذات الشمال، فالتفتُّ عن شِمالي فإذا أنا بأمي قائمة عريانة مئتزرة بخرقة، بيدها شُحَيْمَةٌ تنادي: والهفاه، واحزناه، واعطشاه!! فإذا بلغها الجهد دلكت تلك الشحيمة براحتها ثم لَحَستْهَا، وإذا بين يديها نهر جار، قلت: أيا أماه! ما لك تنادين العطش وبين يديك نهر جار؟ قالت: لا أترك أن أشرب منه، قلت: أفلا أسقيك؟ قالت: وددت أنك فعلت، فغرفت لها غرفة فسقيتها، فلما شربت نادى مناد من ذات اليمين: ألا من سقى هذه المرأة شلت يمينه مرتين، فأصبحت شلاء اليمين، لا أستطيع أن أعمل بيميني.
قالت لها عائشة: وعرفت الخرقة؟ قالت: نعم يا أم المؤمنين، وهي التي رأيتها عليها، ما رأيت أمي تصدقت بشيء قط، إلا أن أبي نحر ذات يوم ثورًا فجاءه سائل فعمدت أمي إلى عظم عليه شحيمة فناولتهَا إياه، وما رأيتها تصدقت بشيءٍ إلا أن سائلًا جاء يسألُ، فعمدت أمي إلى خرقة فناولتها إياه.
فكبرت عائشة رضي الله عنها وقالت: صدق الله،