وقال الإمام ابن القيم: أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يُحكِّموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه ولم يكتف منهم أيضًا بذلك حتى يسلِّموا تسليمًا وينقادوا انقيادًا.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلَّت على أن قسمة الحكم ثنائية وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية شاءوا أم أبوا بل هم أسوأ منهم حالًا وأكذب منهم مقالًا , ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد وأما القانونيين فمتناقضون حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم (ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا وقد قال تعالى في أمثال هؤلاء {أولئك هم الكافرون حقًا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} .
ويقول الشنقيطي رحمه الله: فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله الله وأطاعه في معصية الله واتبعه في ما لم يأذن به الله فقد اتخذه ربًا ومعبودًا وجعله لله شريكًا عند حديثه عن قوله تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} :"ويفهم من هذه الآيات كقوله {ولا يشرك في حكمه أحدًا} أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرع الله أنهم مشركون بالله."
ويقول ابن كثير في البداية والنهاية: بعد أن نقل عن الجويني نتفًا من الياسق أو الياسا التي كان يتحاكم إليها التتار: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض كما قال تعالى {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقًا وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} . وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (3/ 267) : والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال -المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء).
قال عبد القادر عودة: ولا خلاف بينهم (أي الأئمة المجتهدين) قولًا واعتقادًا في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود وتعطيل أحكام الإسلام وشرع ما لم يأذن به الله إنما هو كفر وردة وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد واجب على المسلمين).
وقال الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على ما سبق نقله من كلام ابن كثير حول الياسق الذي كان يتحاكم إليه التتار: أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن- لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمان سريعًا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان