إن الحوار مع"الآخر"حتمي ولا مفر منه، ولن نستطيع إثبات حضورنا كطرف قوي في هذا الحوار إلا إذا كان لنا كياننا الخاص، ووفرنا قوة تحمي هذا الكيان، قوة تمنحنا مناعة وممانعة نستطيع من خلالهما ممارسة سلوكيات التدافع مع الكيانات الأخرى، هذا التدافع الحضاري الذي جعله الله تبارك وتعالى سنّة كونية حيث يقول: {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين} . [1] سنّة التدافع هاته، المستمدة من سنّة الاختلاف {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} [2] ،ومن قوله جلَّ وعلاَ: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [3] .
ولأن الاختلاف - كما التدافع - سنّة من سنن الله في خلقه، فإن السنّة التالية هي التعارف والتعاون والتلاقح الحضاري، {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير} [4] .
هذا التعارف والتآلف هو شرط عيش الناس في أمن وأمان {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز} . [5]
على أن البدء في أي حوار مع الآخر يشترط أن يكون مسبوقا بحوار مع الذات، لأن الأمة التي تعترف بأخطائها ينصلح حالها، وتصنع انتصاراتها من قلب هزائمها و ذلك بوقفة صريحة مع أنفسنا، واعتراف بكل أخطائنا، و إدراك لمصالحنا، و تصالح مع هويتنا، وقبل هذا و ذاك بعودة إلى ديننا، و اهتداء بقرآننا حتى نستطيع الظفر ببعض كنوزه التي ما تزال غائبة عنا، علينا أن نعطيه كلَّنا لكي يعطينا بعضه، و بهذا فقط نكون مؤهلين لاكتشاف خطابه المتجدد.
(1) سورة البقرة، الآية: 249.
(2) سورة يونس، الآية: 19
(3) سورة هود، الآية: 118
(4) سورة الحجرات، الآية: 13
(5) سورة الحج، الآية: 38.