الصفحة 18 من 35

تحنفوا، وطائفة أنكروا الأديان كلها، وقوم من اليمنيين تهودوا، وقوم من قضاعة تنصروا وأكثر الأديان انتشارا بين العرب كانت الوثنية [1]

فأنت تري أن البيئة العربية كانت لاتسودها عاطفة دينية واحدة بل كانوا طوائف شتي كل قبيلة تعبد ما تراه وما تهواه كما أو الوثنية كانت هي السائدة المنتشرة بينهم، فكيف يمكن بعد ذلك أن نتصور سيطرة اليهود من الوجهة الدينية علي بيئة لاتسودها العاطفة الدينية كما أنها كانت قليلة الانتشار بالنسبة لما كان سائدا بين العرب من ملل ونحل.

يضاف إلي ذلك أن أكثر ما ورد من قصة موسي عليه السلام وفرعون نزل بمكة، ومن المعلوم أن أكثر القبائل اليهودية كانت تقيم في يثرب بين قبيلتي الأوس والخزرج. وكانت العلاقة بينهما لا تخلو من عداء. ومثل هذه العلاقة تجعل النفوس غير مهيئة للتأثر بما عند اليهود.

وقد كان من أبرز خصائص القرآن المكي حملته المتلاحقة علي الشرك والوثنية وتوعد المعاندين والمكابرين بالعذاب الأليم وتفنيد معتقداتهم الفاسدة وتسفيه أحلامهم وأصنامهم التي يعبدونها من دون الله. كل ذلك يدل علي مدي انتشار الشرك والوثنية في البيئة العربية. ولذا فقد كانت آيات القرآن المكي تدخل عليهم من كل باب وتضرب لهم أبلغ الأمثال وتهددهم وتتوعدهم قال تعالي: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ، لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ) [2] ويقول تعالي: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي

(1) سيكولوجية القصة ص 127.

(2) سورة الأنبياء آية 98 - 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت