وما أشبه هذا بقصة السحرة التي تكرر ذكرها في قصة موسى عليه السلام فإن فرعون حشر السحرة من كل مكان ليتغلبوا علي موسى ويبطلوا سحره حسب زعمهم ولكن الحق ملك قلوبهم والإيمان ملأ مشاعرهم فاستخفوا بتهديد فرعون أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم في جذوع النخل (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ، إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) [1] . وهنا تتجلي قوة الإيمان إذا سكن القلب واطمأنت به النفس، وتتجلي الحقيقة بالاستعداد للفداء في سبيلها، ويظهر طغيان فرعون الذي يستعظم أن يكون في بني إسرائيل من يذعن للحق قبل أن يأذن له بذلك [2]
"فكانت قصة موسى مع فرعون وبني إسرائيل قصة حافلة بالعظات والعبر التي لايستغني عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في اقتحام العقبات والتعود علي الصبر والتأسى بمن سبقه من الرسل، والصمود أمام القوى الغاشمة ليجعل من الإسلام طلائع النور في أمة طال عليها الليل كما طال الأمد على بني إسرائيل فقسمت قلوبهم، وكان يهود المدينة أشد على الدعوة الإسلامية في المكر والغدر واللجاجة من مشركي مكة، فهم الذين حرضوا المشركين علي الرسول صلى الله عليه وسلم وتآمروا معهم واحتضنوا المنافقين في المدينة، وهم الذين تولوا حرب الإشعاعات والدس في صفوف المسلمين وتشكيكهم في عقيدتهم، فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة لتعرف من هم أعداؤها؟ وما طبيعتهم؟ وما تاريخهم؟ وما وسائلهم؟ ولقد علم الله أنهم سيكونون أعداء هذه الأمة كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم الطويل (أَفَتَطْمَعُونَ"
(1) سورة الشعراء آية 50، 51.
(2) انظر سيكولوجية القصة ص 125.