الصفحة 2 من 12

كما قدم في كتابه المنهج الذي ألف به كتابه بقوله"وقد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واستنباط منهج عقلاني - تفهمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث، ولا عند المسلمين المعاصرين، وأكثر من ذلك، إنّ المستشرقين على سعة إطلاعهم، لم يأتوا ببحث يذكر في هذا الميدان، وتبقى دراستهم هزيلة، ومقارنة بفحول الفكر والتاريخ في الغرب. وقد اعتمدنا على منهجية هؤلاء في مواضيع أخرى لأنهم لم يهتموا بالإسلام إلا قليلا. [2] "

لعل المسلك الذي سلكه الدكتور، ينبيء منذ الوهلة بالغرابة والتشطط خاصة وهو يدعي الأسبقية في نهج هذا المنهج الذي لم يسبقه إليه باحث من القدامى المسلمين، وهو ادعاء يتنافى والعلمية وكذلك المنهج العقلي الذي يتبناه، والملفت لانتباه القاريء أنّ الرجل يتجاوز حتى الأعمال التي توصل إليها المستشرقون ويصفها بالهزيلة.

إنّ الدكتور باختياره لهذا المنهج يكون أمام أمرين اثنين فإمّا التسليم بألوهية القرآن وبالتالي تسقط التخمينات التي تعطي للعقل حق السيطرة على النصوص والعمل فيها واستنطاق أجزاءه، وإعطاءها تخريجات عقلية تتماشى واستنتاجات العقل الذي لا يعترف إلا بما أقرته المناهج وانتصاراتها أو يستعمل آلياتها لهدم الدين وما تعلق به من غيب ووحي، أي الإقرار بعلمانية الظاهرة القرآنية والنبوية ونشوئهما ضمن الشروط التاريخية الموضوعية.

وطالما أنّ الثّقافة الجاهليّة لم ترتق إلى مستوى المعارف الدّقيقة التي رافقت نشأة الإسلام، بسبب الضعف الذهني والثقافي، وقصر النظر، وضيق الأفق حسب تعبير الدكتور جعيط، فلا نستطيع حسبه أن نقوم بها كتابا كالقرآن ولا تستطيع أن تجيب عن السؤال الهام، والمتمثل في البحث عن المصادر الأولى التي أسست للنص الديني في الإسلام، لذلك يدعو جعيط للخروج والبحث عن مؤثرات خارجية تكون كفيلة للإجابة عن السؤال الملزم لطبيعة هذا النوع من البحوث، وتكون هي التي صاغت الخطاب القرآني والسيرة النبوية، وهذا ما يجب أن نبحث عنه لتكون معرفتنا علمية ودائما بحسب الدكتور.

إنّ هذه المصادرة القائمة على خيار"مانوي إثنيني"نور/ظلمة، عقل/لاعقل، علم/أسطورة ... هي مصادرة، حسب تقديرنا، تناقض مبدأ الموضوعيّة العلميّة لأنّها تستبق مسار البحث العلمي وتفترض نتائجه مسبقا وقد تدفع إلى التّعسّف على المادّة التّاريخيّة وتوجيهها وافتعالها أحيانا عبر الانتقاء أو التّضخيم أو توهّم التّناصّ بين النّصوص و تناسل الخطاب وهجرة المعرفة. نعم، لا يحقّ لنا انطلاقا من المقاربة الموضوعيّة أنّ نصادر بشكل وثوقي مسبق على نفي أيّ تأثيرات صاحبت تأسيس الإسلام تحت تأثير المسلّمات الدّينيّة، خاصّة وأنّ الاعتقاد الدّيني الإسلامي نفسه قائم على مبدأ تواصل الحقيقة التّوحيديّة بتصديق السّابق والهيمنة عليه وإكمال الدّين وإتمام مكارم الأخلاق ووضع اللّبنة الأخيرة كما ورد في الكثير من الآيات والأحاديث (وهو ما دعّم به جعيّط أطروحته في تأثير المسيحيّة السّوريّة على بناء الخطاب القرآني) ، ولكن في المقابل لا يمكن لنا أن نصادر وبنفس المنطق الوثوقي الاستباقي على حتميّة وجود التّأثير الخارجي تناغما مع فلسفة العقل الوضعي الذي لا يؤمن بأيّ فعل خارج إكراهات الزّمان والمكان التي لم تثبتها الواقائع ولا يثق بطاقات خارقة للإنسان إلاّ في ضوء ما تثبته التّجربة والاختبار، بينما الفيصل في المبحث التّاريخي حسب تقديرنا ليس القناعات الفلسفيّة والوجوديّة، بل وحدَها الوثيقة التّاريخيّة هي التي يعود إليها تحديد مقدّمات البحث التّاريخي ومساره وآفاقه ونتائجه سواء كانت افتراضيّة أو تقريريّة [3] .

ولا يضير المؤرخ غياب الوثيقة من إصدار الحكم وإنجاز التقارير، ولا يتبرم عن الإعلان أن المعطيات المتوفرة تعوزه للتوصل إلى تفسير موضوعي للظاهرة. إنّ الصّدور عن مسلّمات العقل الوضعي في مبحث تاريخ الأديان الكتابيّة، ولاسيما الإسلام يوهم أنّ الانطلاق من الإقرار بألوهيّة النصّ المؤسّس يستحيل معه إنتاج معرفة علميّة موضوعيّة عن الدّين، و هو حكم تفنّده الحركة العلميّة التي نشأت حول النصّ، تستكشف بنيته اللغويّة والحجاجيّة والمفهوميّة وتستفهم معانيه ودلالاته لتنتهي ــ بعيدا عن سياق الحجاج الدّيني العقائدي ــ إلى فرادته وانسجامه الدّاخلي، كما لم يمنع ذلك الفيلسوف وعالم اللاهوت الفرنسي من التّأريخ للأديان انطلاقا من تمثّل نظام الخطاب وفائض المعنى ضمن علم الهرمينوطيقا. وفي المقابل، ساهمت الدّراسات التّاريخيّة الصّادرة عن بشريّة النصّ ضمن ما يسمّى بـ"الإلحاد المنهجي"في المزيد من الحيرة والتّناقض والاضطراب العلمي.

فلو سلّمنا مثلا بالتاريخيّة الخالصة للنصّ المؤسّس ــ وهو ما عجزت جميع المقاربات التّاريخيّة عن أن تقيم الدّليل الموضوعي عليه ــ بما تعنيه من أنّ جملة من الشّروط الموضوعيّة ــ التي لم تحدّدها بدقّة أيّة دراسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت