إنّ هذه الأحكام المتعجّلة كان يمكن اختبارها في ضوء ما أنتجه علم المناسبات مثلا من معارف متقدّمة في مجال البحث عن الانسجام الدّاخلي للنصّ وتناسق مكوّناته الخطابيّة والدّلاليّة ونظمه. .
ورغم إقرار الدّكتور جعيّط"أنّ التّأثير المباشر السّوري أيضا يدخل في مجال التّخمينات والافتراضات وليس لنا أيّ شاهد على ذلك". [8] فقد انخرط في رصد المتشابهات اللفظية والمضمونيّة بين القرآن و نصّ إنجيلي عربي مفترض اعتبر من الصّعب تاريخيّا نفي اطّلاع الرّسول عليه، وذلك بناء على المصادرة التي انطلق منها أنّ"من دون المسيحيّة الشّرقيّة- السّوريّة لم يكن ليظهر محمّد وإلاّ فلا نرى كمؤرّخين حلاّ للإشكال ... بالنّسبة للمؤرّخ الموضوعي لا يمكن الانفلات من إقرار هذا التّأثير و هو ليس بالتّأثير السّطحي وإنّما العميق والمستبطن بقوّة وإلاّ عاد محمّد غير ممكن في بلده وفي زمانه أو وجب على المؤرّخ الإذعان والإقرار بألوهيّة القرآن مبدئيّا ونهائيّا والتوقّف عن كلّ بحث". [9] و لم يتوقّف التّأثير المسيحي على القرآن بل تجاوزه إلى كتب السّيرة التي نسجت على منوال الأناجيل. و هو إقرار متسرّع حسب تقديرنا طالما لم يستثمر مباحث الخبر باعتباره أداة تواصل ثقافي قبل الإسلام وجنسا أدبيّا عربيّا أصيلا له مقوّماته، وليست السّيرة إلاّ ضربا من ضروب الخبر ينسحب عليها ما ينسحب على الأخبار من قضايا كالمشافهة و التّدوين والإسناد ومراتب التّحمّل والسّرد ...
ولعل الشيء الذي يصل إليه القارئ لهذا الكتاب عدم إشارة الدكتور إلى المرجعيات الاستشراقية التي استقى منها أحكامه رغم أنّها منتشرة في معظم الكتب التي عالجت موضوع المصادر القرآنية. كما المنهج الذي حاول أن يقرب به وجهة نظرة، منهج يحكمه التعسف، والرؤية الأحادية للأشياء، وكأن صاحبها ينطلق من مسلمات ليثبتها، ففي منظوره أنّ التأثيرات المسيحية على القرآن لا يمكن إنكارها.
لا تخلو كتب الاستشراق من بحث مسألة مصادر القرآن الكريم، فالمسألة لا تطرح إشكالا عند المسلمين إذ"يعتقد المسلم تمام الاعتقاد بصحة القرآن الكريم وصحة مصدره فهو وحي من عند الله تعالى بواسطة أمين الوحي جبريل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فألفاظ القرآن الكريم تدل على صحة المصدر، فهو في أعلى درجات البيان العربي" [10] وقد استمد المسلمون إيمانهم بالمصدر الإلهي للوحي من خلال آيات القرآن الكريم التي تثبت ألوهية الآيات قال تعالى:"قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [11] "وقال كذلك"وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى [12] وقال كذلك:"ولو كان من عند غير الله لوجدوا اختلفا كثيرا،" [13] ،قال القاضي أبو بكر الباقلاني:"إنّ القرآن بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، والذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه منها: ما يرجع إلى الجملة، وذلك أنّ نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، و مباين للمألوف من ترتيب خطابهم، له أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أنّ الطرق التي يتقيد الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع ثم إلى ما يرسل إرسالا، فتطلب منه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع وترتيب لطيف [14] .
وقال الزركشي: رحمه الله:"هو الكلام الجزل، وهو الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره، بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كلّ مقول، و تظافر إيجازه وإعجازه .... قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسّم لفظه ومعناه إلى ما ينشط السامع و يقرّط المسامع، من تجنيس أنيس وتطبيق لبيق وتشبيه نبيه وتقسيم وسيم وتفصيل أصيل وتبليغ بليغ وتصدير بالحسن جدير وترديد ماله مزيد، إلى غير ذلك مما احتوى من الصياغة البديعة والصناعة الرفيعة فالآذان بأقراطه حالية والأذهان من أسماطه غير خالية فهو من تناسب ألفاظه وتناسق أغراضه قلادة ذات اتساق ومن تبسم زهره وتنسم نشره حديقة مبهجة للنفوس والأسماع والأحداق، كل كلمة منه لها من نفسها طرب ومن ذاتها عجب ومن طلعتها غرة ومن بهجتها درة [15] "
إلا أنّ الموضوع بالنسبة للمستشرقين قد أخذ سبيلا آخر اعتمد على منهج يكاد يكون مشتركا) متشابها) عند المستشرقين كلما تناولوا قضية من قضايا الحضارة العربية الإسلامية، فقد حدد المستشرقون مصادر القرآن حسب الأولوية:
-... الأساس اليهودي ثم النصراني يمثل المصدر الأول للقرآن