الصفحة 3 من 12

علميّةـ توفّرت لتشكيل"الظّاهرة القرآنيّة"وظاهرة النّبوّة، فلماذا توفّرت تلك الشّروط في ذلك الزّمان وذلك المكان بالذّات؟ ولماذا اصطفت ذلك الشّخص بعينه؟ ألم تكن بيئات أخرى ــ مثل الحواضر الطّائفيّة المحيطة بالجزيرة العربيّة ــ وأشخاص آخرون في ذلك الزّمان أكثر قابليّة و جاهزيّة ــ بالمنطق الموضوعي ــ للقيام بأدوار رائدة في تشكيل ظاهرة النّبوّة و صياغة نصّ دينيّ متفرّد؟ و هل هذه الشّروط موقوفة على مرحلة تاريخيّة ولّت وأشخاص لن يتكرّروا؟ و من ثمّ ما هي المبرّرات الموضوعيّة لختم النبوّة و توقّف التّاريخ عن إنتاج الأنبياء منذ 14 قرنا؟ ولماذا فشلت كلّ محاولات التنبّؤ القديمة ــ بعد ختم النبوّة ــ و الحديثة في استعادة مجال النبوّة باعتباره مسلكا من مسالك إنتاج المعرفة؟ ... [4]

... جميع هذه الأسئلة غير ميتافيزيقيّة وطرحها على المبحث التّاريخي مشروع. و لكن أنّى للعقلانيّة الوضعية أن تتصدّى لهذه الأسئلة وهي مقيّدة بمركزيّة العقل المحكوم بقوانين المادّة في مقاربته للظّاهرة البشريّة، وأنّى للمبحث التّاريخي الذي استعاض عن منهج تحليل الوثيقة بافتراضات قائمة على أطروحات فلسفيّة أو مستقاة من مناهج علوم أخرى لها منطقها الدّاخلي ومسلكها الاستدلالي والحجاجي الخاصّ، بينما لعلم التّاريخ، كما نتصوّر، خصوصيّته وتميّزه عن بقيّة العلوم.

ومع ذلك، فنحن نتساءل مع الدّكتور جعيّط إن كانت المقاربات التي تصدر عن هذا المنطق الموسوم بالعلميّة وفيّة للمبادئ التي تنطلق منها: فلماذا يعذّ التّوقّف في المبحث التاريخي عند غياب الوثيقة ــ ويستتبع ذلك في موضوعنا عدم الإقرار بالتّأثير المسيحي الذي لم تثبته الوثيقة ــ سقوطا في المسلّمات الإيمانيّة، بينما لا يعتبر ذلك كذلك عندما يتوقّف عالم البيولوجيا والجيولوجيا عند ظاهرة يعجز عن تفسيرها؟ لماذا لا يستنكف الطّبيب مثلا من التصريح بعجزه عن تعليل أمراض عديدة لغياب المعطيات الموضوعيّة عن إدراكه؟ وكذلك يفعل العلماء الذين يدرسون الظّواهر الطّبيعيّة و يتوقّفون عند الكثير من الكوارث وتقلّبات الكون و حركة الكائنات، ولا يعدّون ذلك التّوقّف أو العجز منقصا من قيمة مجهوداتهم ولا مدعاة للتّورّط في تأكيد المسلّمات الدّينيّة التي تصبّ في إثبات نظريّة الخلق الإلهي وخضوع الطّبيعة للإرادة الإلهية المطلقة؟

إنّ أقصى ما توصّلت إليه المقاربة التّاريخيّة الموضوعيّة في تفسير ظاهرة النبوّة، هو ما صاغه المستشرق الألماني تويودور نولدكه (1836/ 1930 م) في مؤلّفه الضّخم"تاريخ القرآن"الذي أصدره سنة 1860 و ترجم إلى العربيّة في طبعته الأولى سنة 2004 مو قد تبيّن بعد هذه التّرجمة أنّ الجميع عالة عليه في ذلك. و ملخّص هذه المقاربة أنّ"جوهر النّبيّ يقوم على تشبّع روحه من فكرة دينيّة ما تسيطر عليه أخيرا فيتراءى له أنّه مدفوع بقوّة إلهية ليبلّغ من حوله من النّاس تلك الفكرة على أنّها حقيقة آتية من الله ..." (ص 5) ، وقد كانت تعتريه في وحدته وغربته أثناء التحنّث في الجبال والكهوف حالات من الغيبوبة والاضطراب النّفسي المرضي تنزاح به إلى عالم الأحلام والرّؤى ولكن"أعوزته القدرة على التّجريد المنطقي إعوازا شبه تامّ. لهذا السّبب اعتبر ما حرّك نفسه أمرا موحى به منزلا من السّماء ولم يختبر اعتقاده إطلاقا بل اتّبع الغريزة ... اعتبر هذه الغريزة صوت الله الذي أتاه وهذا ما ينتج الفهم الحرفي الظّاهر للوحي الذي يقوم عليه الإسلام ..."

واعتبر نولدكه"أنّ الإسلام في جوهره دين يقتفي آثار المسيحيّة أو بعبارة أخرى أنّ الإسلام هو الصّيغة التي دخلت بها المسيحيّة إلى بلاد العرب كلّها"، كما اعتبر أنّ أفضل ما في الإسلام نشأ على منوال التّعاليم اليهوديّة والمسيحيّة فـ"إنّ محمّدا حمل طويلا في وحدته ما تسلّمه من الغرباء وجعله يتفاعل وتفكيرَه ثمّ أعاد صياغته بحسب فكره حتّى أجبره أخيرا الصّوت الدّاخلي الحازم على أن يبرز لبني قومه ..."

فلا يمكن حسب تقديرنا التّسليم بالتّناصّ بين القرآن وغيره من النّصوص أو المصادرة على هجرة النّصوص وتناسلها دون بحث جدّي في بنية كلّ نصّ ومنطقه الدّاخلي وأساليبه وعوالمه الدّلاليّة. ويتطلّب ذلك توظيف مناهج علوم النصّ وتحليل الخطاب والحجاج ... و لعلّ عدم الانفتاح على هذه المعارف هو الذي أدّى مثلا إلى اعتبار أن آية"وأمرهم شورى بينهم" (الشورى 38) أضيفت إلى النصّ لأنّها"لا تنسجم مع نسق الآية التي وضعت فيها ... لا نرى ما يكون أمرهم هذا أي حكم المسلمين لأنفسهم في زمن النّبي". [5] وهو نفس المنطق الذي قاده إلى اعتبار الآيات التي تحيل على مفهوم الشّرك في المرحلة القرآنيّة الأولى ــ مرّة في سورة الطّور ومرّة في سورة القلم ــ"إمّا فلتة أو منضافة". [6] ، ذلك على اعتبار أنّ المفهوم الغالب في تلك الفترة عن الكفر هو كفر الجحود أو كفر النّعمة ثمّ تطوّر المفهوم في الفترة المدنيّة تحت تأثير المثاقفة والمناكفة مع أهل الكتاب ليصبح دالاّ على الشّرك. كما أدّى بالباحث إلى أن لا يستبعد"أنّ آيات قرآنيّة أعيد ذكر بعضها مرّتين خصوصا وأنّ في القرآن تكرارا بسبب صيغته الشّفويّة في الأوّل". [7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت