فهرس الكتاب
وقد ذهب ابنُ عبد البر, وتابعه ابنُ رُشيد الفهري, إلى عدِّ هذا القول في مذاهب النظر في الأحاديث المعنعنة, وأنَّه نصٌّ في ردِّها مطلقًا, بل قد ذكر ابنُ عبدِ البرِّ إلى كون شعبة- بعدَ أن ذهب إليه- رجع عنه إلى مذهب سفيان الثوري القائل بإجزائه.
أمَّا مناقشة ذلك المذهب:
الذي يظهر من قول شعبة أنَّه عَنَى سياق إسناد حديث عقب متن إسناد قبله, وإحالة متن الثاني على الأول دون ذكر لفظه. ومن الأدلة على هذا الاختيار:
1 -ألفاظ الروايات الأُخرى
ومن ذلك ما أخرجه ابن الجعد:"حدثني محمود بن غيلان, قال: سمعت وكيعًا يقول: قال شعبة: مثله ليس حديثًا. وقال سفيان: مثله حديث" (31) . -وقد ورد في سياق الخطيب الذي تقدّم من أحد ألفاظ رواية وكيع- غير أنَّ لفظه: (ليس بحديث) - (32) . ولم يذكر عنعنةً, قال الخطيب البغدادي:
"أخبرنا أبو بكر أحمد بن عمر الدلّال: ثنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي: ثنا الحسن بن على بن شبيب أبو على المعمري: ثنا محمود بن غيلان قال: سمعت وكيعًا يقول: قال سفيان إذا قال: (نحوه) فهو حديث. وقال شعبة: (نحوه) شكٌّ" (33) .
2 -أقول أهل العلم في توجيه قول شعبة
منها قول عبد الرزاق بن همَّام الصنعاني (ت 211) :"قال الثوري: إذا كان مثله- يعنى حديثًا قد تقدَّم- فقال: مثل هذا الحديث الذي قد تقدم, فإن شئت فحدِّث بالمثل على لفظ الأوَّل. قال ... عبد الرزاق: وكان شعبة لا يرى ذلك" (34) .
3 -أقوال الأئمة الموازية
ومنها قول يحيى بن معين أبي زكريا (ت 233) : ذكر أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس أنّ محمد بن/ حميد بن سهيل المخرّمي أخبرهم قال: ثنا علي بن الحسين بن حبان, قال: وجدت في كتاب أبي: قيل لأبي زكريا- يعنى يحيى ابن معين- يُحدِّثُ المُحدِّث بحديث, ثم يحدّث آخر في أثره فيقول: مثله, يجوز لي أنا أنْ أقُصَّ الكلام الأوَّل في هذا الأخير الذي قال: فيه المحدِّث: مثله؟ قال: نعم. قلت