وبهذا يتبين أن القول بعدم جريان الربا مطلقًا في الفلوس أو غيرها قول غير دقيق بل هو مناقض للإجماع. ولهذا تجد القائلين بنفي ربوية النقد المعاصر لا يستخدمون عبارة"القرض"بل يعدلون إلى عبارة"بيع العملة"كما صنع الكاتب (ص 3 و 40) ، وكما صنع من سبقه. وهذا أسلوب لا يجدي نفعًا لأنه لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا. ولا يليق بالباحث المنصف استخدام هذا المنهج في هذه القضية الجوهرية، فالعبرة بالحقائق والمعاني، والأمور بمقاصدها كما هو متفق عليه في القواعد.
والربا ليس صورة خاصة بمادة معينة، بل هو داء يدمر الاقتصاد كما يدمر السرطان الجسد. فحيثما وجد هذا الداء بدأت أعراضه ونتائجه بالظهور، بغض النظر عن الشكل أو الصورة التي يظهر بها، فالنتيجة في النهاية واحدة. ومع استفحال الربا في الاقتصاد العالمي لا يمكن للباحث أن يخطئ النتائج السلبية التي فرضت نفسها، كاستفحال المديونية وتفاقم مبالغ خدمة الدين التي يدفعها المدينون، سواء من الدول أو الأفراد، للمرابين، وما يترتب على ذلك من تركز الثروة بيد القلة وانتشار الجوع والفقر بشكل مؤسف. وقراءة سريعة لتقارير الأمم المتحدة حول هذه القضايا، فضلًا عما كتبه الكثير من الاقتصاديين حول مساوئ الاقتصاد العالمي، كاف لإدراك حجم الأمراض الاقتصادية المستفحلة في العالم. فالمشكلات الاقتصادية الكثيرة التي أشار لها الكاتب ناتجة بدرجة كبيرة عن الربا، فمن غير المقبول أن نجعلها سببًا للقول بإباحته.
وحقيقة الفائدة هي فصل التمويل عن النشاط الحقيقي. وذلك أن المقرض يحصل على الزيادة دون وجود مبادلة لسلع أو خدمات من أي شكل، بل لمجرد القرض. ومعلوم أن بناء الثروة وتحقق الرخاء الاقتصادي لا يحصل إلا بالمبادلات الحقيقية، من خلال البيوع والمشاركات وسائر التعاملات الحقيقية التي تتضمن تحقق منافع الطرفين. أما القرض فهو مجرد وسيلة لتحقيق التبادل النافع والمفيد.
لكن القرض بفائدة يسمح للدائن بالربح دون أن يكون طرفًا في مبادلة حقيقية، فماذا تكون النتيجة؟ النتيجة هي نمو الدين في ذمة المدين دون مقابل من النشاط الحقيقي. فتنمو الديون وتتزايد وتتفاقم بدرجة أعلى بكثير من درجة نمو الناتج المحلي. كما تنمو خدمة الدين لتستولي على الجزء الأكبر من الدخل بل تتجاوزه بكثير. ولا يوجد في نظام الفائدة ما يكبح